فهرس الكتاب
ولقد جاءت في سياق السورة تفصيلات كثيرة لهذا الأصل الكبير، سنتعرض لها في مكانها، ولكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى قوله تعالى:"وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا" [آية 36] وإلى قوله تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ .."إلى قوله تعالى:"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [آية 60 - 65] .
أما القضية الثانية من القضايا التي تشملها الآية الأولى من السورة فهي هذه:
".. رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ".
وتلك أيضًا قصة تاريخية وثابتة، لا يجري عليها تغير ولا تطور، ويترتب عليها كذلك نتائج ثابتة.
يترتب عليها وحدة البشرية في أصلها، لأنها كلها منبثقة من نفس واحدة، ووحدتها في معاييرها وقيمها والدستور الذي ينبغي أن تقوم عليه حياتها لأنها شيء واحد في الأصل لا أشياء متعددة، أو متغايرة، كما يترتب عليها أني تعامل البشر فيما بينهم على أساس هذه الصلة المشتركة في الأصل الواحد، وإلى ذلك تشير الآية [36] :"وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا".
غير أن هذه القضية بالذات -قضية وحدة الإنسانية في أصلها، ووجوب قيام العلاقات بينها على أساس الأصل المشترك بينها -محكومة هي ذاتها بالقضية الأولى وهي قضية الربوبية والعبودية، وواجب العباد في تقوى ربهم الذي خلقهم. فقد حدث في تاريخ البشرية انشعاب في هذا الأصل الواحد المشترك، إذ آمن فريق من البشر بربهم واتقوه، وكفر فريق آخر وأبى، فترتب على هذه المشاقة اختلاف في الوجهة والهدف، واختلاف في العقيدة، واختلاف في التعامل كذلك. وإلى ذلك تشير آيات كثيرة جدًا في السورة هي الآيات التي تتحدث عن المشركين والمنافقين واليهود والنصارى وهي تشغل من السورة حيزًا غير قليل.
والقضية الثالثة الثابتة هي قضية الجنسين:
"خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا".
ويترتب عليها نتائج ثابتة ..
يترتب عليها وحدة الجنسين في الأصل:"وَخَلَقَ مِنْهَا ..".
ويترتب عليها المساواة بين الجنسين في القيمة الإنسانية، وفي العبودية لله، وفي الأجر على طاعة الله. وإلى ذلك تشير الآية:"وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" [آية124] وإن كان توزيع التكاليف بين الجنسين في الحياة الدنيا قد اقتضى الاختلاف في بعض الحقوق والواجبات، مع عدم الإخلال بمبدأ المساواة في الإنسان وفي العبودية لله وفي الأجر على طاعة الله، إنما هو اختلاف اقتضته طبيعة"التنظيم"في داخل الأسرة وهو الذي تشير إليه الآية:"الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء .." [آية 34] والآية:"يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ" [آية11] وسنتحدث عنه في مكانه.