فهرس الكتاب
ويترتب عليها كذلك ثبات العلاقات بين الجنسين وعدم خضوعها لعامل التغير ولا التطور. فما دامت أصول هذه العلاقة ثابتة وهي وجود رجل من ناحية وامرأة من ناحية وعلاقة تجاذب بينهما تعبر عنها آية سورة الروم:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً .." [1] فما الذي يمكن أن يتغير أو يتطور في هذه العلاقة؟!
إن اللقاء لا بد أن يتم -بحكم الفطرة- بين الرجل والمرأة. وليس هناك إلا طريقان اثنان لهذا اللقاء مهما تعددت صوره: إما لقاء مشروع في صورة زواج وإما لقاء غير مشروع في أية صورة من الصور. والله خالق هذه الفطرة وصاحب الأمر في شأنها -وفي كل شأن- يقبل الصورة الأولى ويدعو إليها، ولا يقبل الصورة الأخرى بل ينهى عنها، كما تشير الآية:"مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ .." [آية 24] والآية التالية"مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ .." [آية 25] .
ويترتب عليها أخيرًا ثبات العلاقات في داخل الأسرة، وإلى ذلك تشير مجموعة غير قليلة من الآيات، تتعلق بالمعاشرة بالمعروف، وبحالة النشوز من الزوجة والنشوز من الزوج، وبتعدد الزوجات وشروطه، وتتعلق كذلك بالمواريث.
ثم تشير نهاية الفقرة الأولى من الآية إلى قضية قد تكون امتدادًا للقضية الثانية المتعلقة بالنفس الواحدة التي انبثقت منها البشرية أو تفصيلًا لها، وذلك في قوله تعالى:
"وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء ..".
إنها قضية"المجتمع"سواء في ذلك المجتمع في صورته الخاصة، أي مجتمع أمة من الأمم، أو المجتمع البشري على اتساعه. وهي كذلك قضية ثابتة لأن أركانها وقواعدها ثابتة. ومن ثم ترسم السورة صورة ثابتة للقواعد التي تقوم عليها العلاقات داخل المجتمع -وهو هنا المجتمع الإسلامي- كما تحدد العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب والمشركين والمنافقين. وهنم الفريق الذي لم يدخل في دين الله كما دخل المسلمون، وإن كان الحيز الذي تستغرقه هذه القضية في هذه السورة مشغولًا بالعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين أكثر مما هو مشغول بتنظيم العلاقات داخل المجتمع المسلم ذاته، الذي تتناوله سور أخرى بالتفصيل.
وإذا نظرنا إلى الآية الأولى على هذا النحو، فإنها في الواقع تكون تلخيصًا دقيقًا لكل موضوعات السورة؛ كما أن السورة من جهة أخرى تكون كلها مترابطة ترابطًا دقيقًا وإن اختلفت موضوعاتها، لأنها كلها شرح وتفصيل لتلك القضايا الأربع التي افتتحت بها السورة، وهي في ذاتها قضايا مترابطة متناسقة متصل بعضها ببعض برباط وثيق:
من هذه الآية الشاملة الموجزة في مفتتح السورة ينتقل السياق إلى الحديث عن اليتامى عامة ويتامى النساء خاصة، ثم عن مهور النساء، ثم عن التصرف في أموال السفهاء، ثم يعود إلى اليتامى وطريقة التصرف في أموالهم، ثم إلى الوريث وطريقة تسليم المال الموروث:
"وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا، وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا".
"وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا".
(1) سورة الروم: [21] .