فهل هذا الواقع وارد في السنن الربانية المذكورة في كتاب الله، بحيث نستطيع أن نقرأه ونحن نقرأ القرآن؟!
نعم
فأما بالنسبة للمسلمين فقد بيّن الله لهم:
"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا .." [1] .
وبين لكم كذلك من خلال قصة إبراهيم عليه السلام:
"وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" [2] .
ومن خلال قصة بني إسرائيل:
"فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" [3] .
ومن خلال قصص كثيرة:
"فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا" [4] .
ومقتضى هذه السنن كلها أن الله قد تكفل للمؤمنين بالاستخلاف والتمكين في الأرض والتأمين مقابل شرط واحد:"يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا". وقد تحقق هذا الوعد بالفعل للمسلمين -وبصورة تاريخية باهرة- طالما كانوا على الشرط الذي اشترطه الله عليهم.
وقد اقتضت سنة الله (الواردة في قصة إبراهيم عليه السلام) أن العهد الرباني لا يُنال بوراثة الدم، إنما بوراثة العقيدة. أي بالاستمرار في العمل بها في واقع الحياة. فإذا انحرفت الذرية وظلمت فإن الله لا يحابيها لمجرد كونها ذرية قوم مؤمنين! لا بد أن تكون هي بذاتها مؤمنة بالفعل ليتحقق لها العهد. ولكن عهد الله لا ينال الظالمين، ولو كانوا من ذرية قوم مؤمنين!
وقد تحققت سنة الله -بلا مجاملة- مع المسلمين حين انحرفوا عن طريق الله، فزال عنهم رويدًا رويدًا الاستخلاف والتمكين والتأمين، حتى إذا وصلوا إلى حد أن يوصفوا بأنهم"خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا"وهو واقع"المسلمين"اليوم، فقد زال عنهم تمامًا كل استخلاف وتمكين وتأمين، وصاروا إلى الغثاء الذي تتداعى عليه الأمم لتفتك به كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، كما حدّث الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
هذا بالنسبة للمسلمين ..
فأما بالنسبة لأوربا فقد تعلمت من المسلمين علومهم وحضارتهم وأبت أن تتخذ دين الله. أرادت الحياة الدنيا وزينتها، وسعت في سبيل اكتسابها بكل ما وسعها من جهد. ومن ثم انطبقت عليها سنتان من السنن الربانية المذكورة في الكتاب:
"مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ" [5] .
"فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ .." [6] .
(1) سورة النور: 55.
(2) سورة البقرة: 124.
(3) سورة الأعراف: 169.
(4) سورة فاطر: 43.
(5) سورة هود: 15.
(6) سورة الأنعام: 44.