وهذا هو الحاضر المشهود في أوربا اليوم. فقد وفى الله لهم أعمالهم في الحياة الدنيا بقدر ما اجتهدوا فيها، ولم يبخسوا شيئًا منها، ثم فتح عليهم أبواب كل شيء: أبواب القوة والثروة والتمكين والاستعلاء في الأرض!
وبقي لهم الجزء المكمل لهذه السنة، الوارد في نفس الآية [الأنعام44] :"فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ".
وقبل عشر سنوات فقط لم يكن الناس يصدقون أن سنة الله ستنطبق عليهم! وكانوا يظنون -مخدوعين بالظاهر- أنهم سيظلون ممكنين في الأرض إلى أبد الآبدين!
واليوم تأتي النذر من كتابهم وزعمائهم أنفسهم، الذين هم أقل فرحًا بما أتوا، يقولون إن الحضارة الأوربية في طريقها إلى الانهيار الحتمي إذا سارت على نفس الخطوات!
ويقتضينا الأمر هنا أن نفرق -ونحن ننظر في سنة الله- بين فتح وفتح ..
يقول القرآن في الكافرين:"فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ" [الأنعام: 44] .
ويقول في المؤمنين:"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" [الأعراف: 96] .
فالكافرون يفتح عليهم أبواب كل شيء -فتنة- ولكنهم يحرمون"البركة"التي تفتح على المؤمنين. وإن الواقع الأوربي اليوم لهو مصداق ذلك. فقد حصلت أوربا على قدر من"كل شيء"لم تحظ به أمة في التاريخ من حيث الحجم! ومع ذلك فانظر في حياتهم: انظر إلى القلق والحيرة والاضطراب والانتحار والجنون والخمر والمخدرات والانحراف والشذوذ! وانظر إلى تقريراتهم هم، لتي تقول إن كل هذه آخذة نسبتها في الارتفاع!
ذلك أنهم لا يعرفون الله، فلا يجدون تلك الطمأنينة التي يجدها المؤمنون:"الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" [1] .
أما اليهود فأمرهم كذلك مذكور في الكتاب.
"ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ .." [2] .
وقد أشرنا إلى هذا المعنى من قبل ونحن نستعرض سورة آل عمران. فنلخصه هنا بأن القاعدة الدائمة بالنسبة لهم هي ضرب الذلة عليهم أينما ثقفوا. ثم تجيء فترات استثنائية يمكنون فيها في الأرض بحبل من الله وحبل من الناس. وهو الحال القائم اليوم، حيث يمدّهم الناس بالمدد حين يقعون في مخططاتهم، سواء عن طريق بيوت الزينة، أو بيوت الأزياء، أو السينما والإذاعة والتليفزيون، أو جنون الجنس، أو جنون الكرة .. أو إمدادهم بالأموال المباشرة وبالسلاح.
ولكن .. هل جاء هذا التمكين اعتباطًا؟!
إنه واقع بقدر من الله ولا شك:"بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ". ولكنه يأتي في إطار سنة أخرى شاملة واردة في الكتاب:
"قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَاسَ بَعْضٍ" [3] .
هذا نذير الله للبشر حين يكفرون ..
ولقد كفرت البشرية اليوم كما لم تكفر في التاريخ كله. وتبجحت بالكفر كما لم يحدث قط في التاريخ.
لذلك نفذ الله فيهم سنته ووعيده، فجعلهم شيعًا، وأذاق بعضهم بأس بعض، واختار أشد خلقه إفسادًا ليذيق البشرية كلها بأسهم جزاء بما كفرت وتبجحت بالكفر.
(1) سورة الرعد: 28.
(2) سورة آل عمران: 112.
(3) سورة الأنعام: 65.