وقد كان هذا كله لأن الأمة المسلمة تخلت عن طريقها وتخلت عن رسالتها، لنفسها وللبشرية كافة، فتسلمت منها الراية أمة جاهلية رفضت أن تذعن لأمر الله ودينه، وجرّت البشرية كلها وراءها إلى الإلحاد والكفر. وسيظل هذا الأمر قائمًا ما قدّر الله له أن يكون، حتى تعود الأمة المسلمة إلى دينها ورسالتها .. فيتغير وضع البشرية.
وهكذا يجد المسلم في كتابه المنزل بيانًا وافيًا للصورة العامة لسير الأحداث في عالمه الذي يعيش فيه، على ضوء السنن الربانية المبينة في الكتاب، كما يجد بيانًا لموقفه هو من الأحداث، ودوره الذي ينبغي أن يقوم به، وكأن الكتاب قد أنزل إليه الآن في هذه اللحظة، وليس منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان! وهكذا كله بغير أسرار ولا طلاسم، ولا قراءة"سرية"لرموز خاصة في الكتاب!
أما العداوات المرصودة في طريق الدعوة، فإننا نجد حديثًا مستفيضًا عنها في كتاب الله.
إن قسمًا كبيرًا من السور المدنية قد شغله الحديث عن أعداء لا إله إلا الله بفئاتهم الأربع، وعن كيدهم ومخططاتهم لحرب الإسلام، كما بينا من قبل على صفحات الكتاب:
"وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" [1] .
"وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا" [2] .
ثم نجد حديثًا مستفيضًا في قصص الأنبياء عن كل داعية قام يدعو للا إله إلا الله، كيف تصدى له"الملأ"الذين يكرهون رد السلطة إلى صاحبها، وهو الله سبحانه وتعالى، ليستأثروا هم بها، ويستعبدوا الناس عن طريقها، وكيف ظلوا يحاربون الدعوة بغية القضاء عليها وصرف الناس -المستعبدين لهم- عن اتباعها، وكيف آذوا أصحابها بكل ما يملكون من صنوف الإيذاء، حتى إذا صبر أصحاب الدعوة على الابتلاء، ومحصت قلوبهم وتجردوا لله، جاء قدر غالب من الله فنصر المؤمنين ودمر على أعداء الدين.
وسيجد المسلم نفسه في وسط الأحداث المعاصرة كأنما يتنزل له القرآن الآن .. يصف له حاله وحال أعدائه، ويكشف له عن خباياهم ودوافعهم، ويكشف له عن مخططاتهم كذلك!
إنه هنا -في هذا الموضوع بالذات- لا يعيش مع القرآن ماضيًا مر عليه أربعة عشر قرنًا من الزمان .. إنما يعيش الحاضر، بكل خلجاته، بكل قسماته، بكل تفصيلاته.
إنه يعيش المعركة مع أعداء لا إله إلا الله .. المعركة حاضر يعيشه الآن، وكلام الله عنها حاضر كذلك، يواكبها لحظة لحظة، ويصفها خطوة خطوة، ويوجه قلب المسلم ومشاعره وأفكاره كأنه خطاب منزّل من الله .. الآن.
فهنا -في هذا الموضوع بالذات- ينبغي للمسلم وهو يقرأ القرآن أن يكون واعيًا لهذه الحقيقة، وأن يقدرها حق قدرها.
إن القرآن يخاطبه هو شخصيًا، وفي لحظته التي يعيش فيها. وهو حين يخاطبه لا يقص له قصة ماضية عن أشخاص آخرين غيره عاشوا تجربتهم الخاصة، إنما يقص له قصته هو الشخصية من خلال أشخاص آحرين!
ومن ثم فإن التوجيهات التي يحملها الخطاب هي موجهة له شخصيًا، ليعيها ويستجيب لها، ويشكل مشاعره وأفكاره وسلوكه بمقتضاها .. وبعبارة أخرى ليتربى على ضوئها ويقوّم خطواته على طريق الله.
ويحمل القرآن للمسلم قيمه الثابتة التي تحكمه في عالمه المتغير.
إن الحياة -كما أسلفنا في مقدمة الحديث عن سورة النساء- تحتوي جوانب ثابتة وجوانب أخرى متغيرة. وقد حوى كتاب الله بالنسبة للجوانب الثابتة أحكامًا وتوجيهات مفصلة لا تتغير، ولا ينبغي لها أن تتغير. بينما أورد بالنسبة للمسائل المتغيرة أصولًا عامة ثابتة، وترك للعقل المؤمن أن يجتهد في استنباط الأحكام التفصيلية المناسبة لحياته في إطار تلك الأصول العامة الثابتة.
(1) سورة البقرة: 120.
(2) سورة البقرة: 217.