ولسنا هنا -في عرضنا السريع هذا- نتعرض للأحكام. ومجالها كتب الفقه واجتهادات الفقهاء. وإنما الذي قصدنا إليه هو أن المسلم في كل جيل كان يواجه مجتمعًا غير الذي كان يعيش فيه أسلافه. ولكنه في هذا الجيل بصفة خاصة يواجه مجتمعًا -لأول مرة في حياته- ليس من صنع الإسلام.
إنه يجد اختلافًا كثيرًا في المجتمع الذي يعيش فيه اليوم عن كل المجتمعات التي عاش فيها أسلافه، لا بسبب التغيّر الطبيعي السوي وحده، الذي ينبغي أن يحدث في حياة الإنسان، نتيجة تفاعل قواه مع الكون المادي من حوله، ولكن لخروج البشرية كلها، عن طريق الله وعن منهج الله بما فيها المجتمعات التي تحمل اسم الإسلام.
فالأحوال في العالم المعاصر ليست كلها نموًا سويًا ولا"تطورًا"كما يقول التطوريون. إنما هي مفتعلة افتعالًا حسب مخططات شريرة وضعت لإفساد البشرية، ودُسَّت فيها كثير من المفاسد وقيل للناس إنها"تطور حتمي"وإن عليهم أن يأخذوها بلا معارضة ولا جدال .. وهُدِّدوا إن هم وقفوا في سبيلها بأن عجلة التطور ستسحقهم! [1] .
والمسلم يواجه هذا العالم أراد أو لم يرد .. يواجههة في مجتمعه هو الذي يعيش فيه، والذي جذبته جاهلية القرن العشرين أو طغت عليه فأبعدته عن طريق الله ومنهج الله.
وموقف المسلم في هذا العلم"التطوري- أن يفرق بين المتطور (أو المتغير) بطريقة سوية، وبين المتغير بطريقة مفتعلة، أو بأسباب جاهلية لا علاقة لها بالإسلام."
ومرجعه في ذلك هو الكتاب [2] .
وأخيرًا يجد المسلم في كتابه منهج الدعوة لهذا الدين ..
ولا نقصد فقط قوله تعالى:"ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ" [3] . فهذا يبين أسلوب الدعوة وحده. ولكني أقصد موضوع الدعوة وكيفيتها .. وهي مبينة بيانًا واضحًا في الكتاب.
فالموضوع الأكبر في القرآن كله كما رأينا هو موضوع العقيدة .. والموضوع الأكبر من موضوعات العقيدة هو الألوهية.
وقد بينا على صفحات الكتاب من قبل أن هذا الوضع ليس سببه مواجهة المشركين من العرب في الجزيرة. إنما هو سبب دائم في حياة البشر على الأرض. وبينا كذلك أن هذا الجيل الحاضر من"المسلمين"قد غشيته غواش كثيرة أفسدت فهمه للعقيدة فلم يعد يعرفها في حقيقتها القرآنية كما أنزلها الله.
فهذا الجيل إذن في حاجة إلى حديث مستفيض في العقيدة وفي قضية الألوهية. في حاجة إلى بيان معنى لا إله إلا الله، وبيان مقتضيات لا إله إلا الله، وفي مقدمتها التحاكم إلى شريعة الله.
ولقد يظن هذا الجيل أنه في غنى عن الحديث في لا إله إلا الله، لأنها مسلّمة من المسلّمات التي لا تحتاج إلى بيان! ولكن الواقع الذي يعيشه"المسلمون"اليوم يبين أنهم في جهالة بمعنى لا إله إلا الله، لم يقع فيها أي جيل سابق من المسلمين، لأنهم يقولون لا إله إلا الله بأفواههم ثم لا يجدون في نفوسهم حرجًا أن يحكموا بشريعة غير شريعة الله.
وهذه جهالة من نوع جديد ونادر في التاريخ كما بينا في صفحات الكتاب.
فحين كان الناس يؤمنون بآلهة متعددة كانوا لا يتحاكمون إلى شريعة الله لأنهم يشركون بالله اعتقادًا فيشركون به كذلك في الاتباع.
وحين آمن الناس بالله الواحد صاروا يتحاكمون إلى شريعته وحده لأن هذا كله في حسهم من بديهيات لا إله إلا الله.
أما هذا الجيل الذي يقول إنه مؤمن بالله الواحد ثم يتحاكم إلى شرائع الجاهلية وينبذ شريعة الله فهو جيل فريد أو نادر في التاريخ!
(1) انظر -إن شئت- كتاب"جاهلية القرن العشرين"أو كتاب"التطور والثبات في حياة البشرية".
(2) والسنة بلا شك.
(3) سورة النحل: 125.