وإذا كان هذا القدر كله من الشر قد"كسبه"اليهود من استغلال الثورة الصناعية، فنحن لم نتحدث بعد عن"مكاسبهم"من استغلال"الثورة الداروينية"!
وإذا كانت الحركة الصناعية قد سميت"ثورة"بسبب عنف التغييرات التي أحدثتها في حياة البشر، وهي لم تسفك دمًا ولم تطلق طلقة، فأحرى بالنظرية الداروينية أن تسمى ثورة كذلك، لأن آثارها في الفكر الأوربي والحياة الأوربية أشد من أي ثورة حقيقية بما في ذلك الثورة الفرنسية.
بل إن أعنف ثورة في التاريخ الحديث - وهي الثورة الشيوعية في روسيا - إن هي إلا واحدة من آثار الثورة الداروينية بعد أن استغلها اليهود، وصنعوا منها مادة متفجرة قادرة على تحطيم كل شيء.
ولقد تحدثنا في غير هذا الكتاب عن الداروينية وإيحاءاتها وآثارها، واستغلال اليهود لها (1) ، ولكنا مضطرون إلى ذكرها هنا مرة أخرى ملخصة، لكي لا نشغل القارئ عن متابعة البحث الحاضر بإرجاعه إلى بحث آخر سابق.
نشر دارون نظريته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخلاصتها أن الكائنات الحية تدرجت من الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان، عبر مراحل"تطورية"متعددة، فكانت طحالب ثم نباتات، ثم نباتات شبيهة بالحيوان (كالهيدرا) ثم حيوانات شبيهة بالنبات كالمرجان، ثم حيوانات لا فقارية (كالديدان والحشرات) ثم فقاريات دنيا (كالأسماك والطيور والزواحف) ثم ثدييات دنيا ثم ثدييات عليا، ثم قردة، ثم قردة عليا، ثم تأتي حلقة مفقودة (هي الإنسان القرد) ثم يجيء الإنسان..
وتشتمل النظرية - وهي في الحقيقة مجرد فرض لم يرتق لأن يكون نظرية - على مجموعة من المقررات، كالقول بأن"الطبيعة"تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق، وأنها مع ذلك تخبط خبط عشواء، وأن خلق الخلية الحية من الجماد تم بطريق"الخلق الذاتي"دون تدخل من الإرادة الإلهية، وأن التطور يهدف دائمًا إلى ترقية الكائن الحي، وأن الحياة كلها صراع بين الكائنات، وأن البقاء في هذا الصراع للأصلح، بمعنى الأنسب للظروف القائمة من حوله، أي للبيئة المادية التي تقرر
(1) راجع إن شئت كتاب"مذاهب فكرية معاصرة"فصل"دور اليهود في إفساد أوربا".