فحين يقول الشاعر (1) :
ألا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فهو يستخدم الجهل بمعنى: نغضب غضبًا شديدًا، ونتصرف بما يمليه علينا الغضب من بظش وعدوان، ولا نقف عند الضوابط التي تحكم سلوكنا في حالة الحِلْم.
وحين يقول الشاعر الآخر (2) :
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معًا!
فهو كذلك يستخدم الجهل بمعنى السلوك غير المنضبط بالضوابط اللائقة بمثله، من صبر وكتمان، وعدم إظهار للوعة الأسى وفرط الحزن.
أما في القرآن الكريم فاللفظ يرد في معنى خاص، أو في الحقيقة في معنيين محدّدين: إما الجهل بحقيقة الألوهية وخصائصها، وإما السلوك غير المنضبط بالضوابط الربانية، أي بعبارة أخرى: عدم اتباع ما أنزل الله.
فحين يقول جلّ شأنه: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) . [سورة الأعراف، الآية: 138] . فالجهل المقصود هنا هو عدم العلم بحقيقة الألوهية. إذ لو علموا أنه تعالى (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) . [سورة الأنعام، الآية 103] . وأنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) . [سورة الشورى، الآية: 11] . وأنه تعالى (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) . [سورة الأنعام، الآية: 102] . وليس بمخلوق، ولا صفاته تشبه صفات الخلق. ما سألوا هذا السؤال الذي ينمّ عن جهلهم بهذه الأمور كلّها.
وحين يقول سبحانه وتعالى: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) . [سورة آل عمران، الآية: 154] . فالذي يعيبه الله على هذه الطائفة هو تصور معين لأمر يتعلق بحقيقة الألوهية. هو
(1) هو عمرو بن كلثوم.
(2) هو الصُمّة بن عبد الله القشيري.