أي نَسُوا ما نُزّل عليهم من الوحي على يد الأنبياء والرسل - فتح الله عليهم أبواب كلّ شيء، ومكّن لهم في الأرض!
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ..) . [سورة الأنعام، الآية 44] .
نتصور لأول وهلة أن هذا مناقض لوعيد الله للكفار بالتدمير عليهم، ووعده - على العكس من ذلك - بمنح التمكين للمؤمنين الذين يعبدون الله حق عبادته ولا يُشركون به: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) . [سورة النور، الآية 55] .
ولكن هذا التناقض الظاهري - في تصورنا - يزول حين نُنْعِم النّظر في الآيات، ونزداد تعرفًا على السنن الربانية.
إن الله جلّ وعلا لم يحظر العطاء الدنيوي على الكفار ابتداء، بل بذله - كما رأينا - لكلا الفريقين الكافر والمؤمن سواء، ومن العطاء التمكين في الأرض كما سبق القول. وبيان ذلك أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فهو يُعطي منها الكافر، لهوانها عليه سبحانه وتعالى، أما الآخرة فيدخرها للمؤْمنين وحدهم.
يقول صلى الله عليه وسلم:"لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سَقَى الكافرَ منها شَرْبَةَ ماءٍ" (1) .
ويقول صلى الله عليه وسلم:"إن الله يُعطي الدنيا لمن أحبّ ومن لم يُحبّ، ولكنه لا يُعطي الآخرة إلاّ لمن أحبَّ" (2) .
وإلى هنا يزول جزء من العجب الذي يعترينا لأول وهلة، حين نرى الله يبذل للكفار من عطائه، ويفتح عليهم"أبواب كلِّ شيءٍ"وهم كفار.
لقد كان السبب في عجبنا هو نظرتنا إلى الدنيا، وإلى التمكين فيها، بعين الإكبار والإعظام، كأنها غاية الغايات التي خلق الإنسان لتحصيلها.. فإذا علمنا
(1) صححه الترمذي والحاكم.
(2) رواه أحمد 1/ 387.