هوانها على الله، وانها لا تُساوي عنده جَنَاحَ بَعُوضَة، تطامن إكبارنا وإعظامنا لها، وزال عجبنا - أو جزء من عجبنا على الأقل - من كون الله يفتح أبوابها للكافرين المعاندين الخارجين على طاعة الله.
ثم يزول ما بقي من عجبنا حين نعلم أمرين آخرين يجري بهما قدر الله وسنته، ووعده ووعيده.
الأمر الأول أن من سننه الجارية سبحانه وتعالى أن يملي للكفار في الأرض قبل أن يدمر عليهم. (وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) . [سورة الحج، الآية 48] .
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) . [سورة الرعد، الآية 32] .
وظاهر من هذه الآيات وأمثالها في القرآن أن الإملاء يجيء"بالفاء"والأخذ يأتي مع"ثم"أي أن الإملاء يأتي مباشرة بعد التكذيب، وأما الأخذ فيأتي على المدى، بما يشير إلى أن الإملاء قد يطول مع الكفر والتكذيب!
فإذا فهمنا أن من معاني الإملاء للكفار التمكين لهم في الأرض (إذ أن التكذيب يصدر عادة من الطغاة الممكنين في الأرض، وبسبب من ذلك التمكين) (1) . لم نعد نعجب أن يفتح الله أبواب كل شيء على الذين نسوا ما ذكروا به، فإن هذا هو عين الإملاء، الذي تحدثت به آيات كثيرة في كتاب الله.
والأمر الثاني أن هذا الإملاء للكفار الذي يشمل التمكين لهم في الأرض، وفتح أبواب كل شيء عليهم إلى حين - يطول أو يقصر - يصحبه ويلازمه حرمانهم من ثواب الآخرة، وصيرورتهم إلى النار:
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ
(1) يقول تعالى عن النمرود: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) أي بسبب أن الله آتاه الملك! (سورة البقرة: 258) .