الصفحة 58 من 251

وهذا الأمر الأخير بالذات قد يكون أقرب تفسير لأحوال العالم المعاصر، وتمكين الجاهلية المعاصرة، بسبب غياب أهل الحق عن الساحة، وغياب المنهج الرباني عن التطبيق.

على أن الأمر لا يتم بمجرد الكفر.. أي أنه ليس مجرد كفر الكافرين هو الذي يؤدي إلى تمكينهم في الأرض. فإن التمكين له سننه الخاصة التي لا بد أن تتوفر له حتى يوجد. وكل شيء إنما يتم بمشيئة الله. ولكن مشيئة الله هي التي اقتضت أن تكون للتمكين أسباب، وأنه لا بد من اتخاذ الأسباب لكي يتم التمكين.

لا بد من إرادة ومن جهد يبذل.

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) . [سورة هود، الآية 15] .

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) . [سورة البلد، الآية 4] .

(يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) . [سورة الانشقاق، الآية 6] .

والأسباب في ذاتها ليست هي التي تؤدي إلى النتائج بطريقة ذاتية، إنما يتم ذلك بمشيئة من الله. وإذا لم يشأ الله فإن الأمر لا يتم مهما بذلت فيه الأسباب.. ولكن الجاهليين يجهلون ذلك، ويتكلون على الأسباب وحدها دون التوكل على الله. ومن الاستدراج الذي يفتنهم الله به أن يكلهم إلى الأسباب التي يتخذونها، وينجحها لهم، فيزدادون فتنة بها، واتكالا عليها، وبعدًا عن الله!

ولكي نوضح هذه الحقيقة التي تغشى عليها الجاهلية المعاصرة، حقيقة أن الأسباب لا تفعل بذاتها، ولكنها تفعل بمشيئة الله، نضرب بعض الأمثلة:

فهتلر قد اتخذ كل ما في وسع البشر من الأسباب لكي ينتصر على الحلفاء. وتحدى بأسبابه قدر الله. وكان يقول إن قواته ستتوغل في روسيا بالسهولة التي تقطع بها السكين قطعة الجبن! وكان يقول إنه لن يخطئ كما أخطأ نابليون، ولن يُستدرج إل الصقيع الذي أهلك جيش نابليون! ثم شاء قدر الله غير ما أراد هتلر. واستدرجه الروس إلى الصقيع الذي أهلك جيشه كما أهلك جيش نابليون!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت