ودخل الروس أفغانستان وهم واثقون تمامًا من النصر، وأن الأمر لن يستغرق منهم أكثر من شهور، نظرًا لتفوقهم الساحق في العدد والعدة، ولم يحسبوا أي حساب لقدر الله. فهم لا يؤمنون بالله اصلًا، ولا يؤمنون إلا بالأسباب المادية، وفي حساب الأسباب المادية لا تناسب على الإطلاق بين ما يملكون هم وما يملك الأفغان! ثم شاء الله غير ما شاء الروس، فصمد الأفغان عشر سنوات كاملة، واضطر الروس في النهاية إلى الانسحاب دون أن يحققوا النصر..
وفي هذا وذاك عبرة لمن يعتبر.. ولكن الكفار لا يعتبرون!
(قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) . [سورة يونس، الآية 101] .
كلا! ليست الأسباب هي التي تؤدي بذاتها إلى النتائج إلا أن يشاء الله. ولكن الله يستدرج الكفار - جزاء كفرهم وإعراضهم - فيكلهم إلى الأسباب التي يتخذونها.. حتى تهلكهم الأسباب في النهاية!
ولكن هناك حقيقة واقعة من الجانب الآخر هي أنه لا يمكن أن يتم التمكين بغير اتخاذ الأسباب.. لا للكفار ولا للمؤمنين.
وقد بذلت أوربا كل ما تملك من جهد، وكدحت بكل ما تملك من الكدح، وتوجهت بكل ما تملك من إرادة، فمكن الله لها في الأرض حسب سننه التي قدرها وبينها سبحانه في كتابه المنزل: أنه من أراد الدنيا، وسعى لها سعيها، يوفيهم الله جزاءهم في الدنيا، ولا يبخسهم جهدهم، وكدحهم، وتوجههم:
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) . [سورة هود، الآية 15] .
(وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) . [سورة آل عمران، الآية 145] .
(وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) . [سورة الشورى، الآية 20] .
وهكذا تم لأوربا التمكين - بمشيئة الله وحسب سنته - في حين يظن"بروميثيوس"الحديث أن الأمر تم تحديًا لله! ويظن الذين استعبدت أوربا أرواحهم