الصفحة 60 من 251

أن الأمر كله راجع إلى اتخاذ الأسباب! في حين كان الله يربي الأمة المسلمة على منهج بديع، يوازن ما بين ضرورة اتخاذ الأسباب وبين عدم الاتكال عليها أو الفتنة بها، وضرورة التوكل على الله مع اتخاذ الأسباب.

فحين أخبرهم سبحانه أنه قدر لهذا الدين أن يمكّن في الأرض، وأن الكافرين لن يقدروا على محوه من الأرض كما تمنوا في دخيلة أنفسهم، أمرهم في الوقت ذاته باتخاذ الأسباب لكيلا يتواكلوا اعتمادًا على وعد الله بالتمكين لدينه:

(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) . [سورة الأنفال، الآيتان 59 - 60] .

وحين خدعتهم الأسباب فقالوا: لن نغلب اليوم من قلة، قدر لهم الهزيمة لينتبهوا إلى أن الأسباب لا تؤدي بذاتها إلى النتائج:

(وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) . [سورة التوبة، الآية 25] .

إنما وجههم أن يتخذوا الأسباب ويتوكلوا على الله في ذات الوقت، فتتم لهم عدة النصر:

(فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) . [سورة آل عمران، الآية 159] .

والعزيمة تتضمن اتخاذ الأسباب فإنها لا تكون عزيمة صادقة بغير ذلك.

إذا خلصنا إلى هذه الحقيقة، وهي أن تمكين الجاهلية المعاصرة، وإيتاءها كل أسباب القوة، وفتح"أبواب كل شيء"عليها، إنما يتم حسب السنن الربانية لا مخالفًا لها، فيجب أن نعرف بعد ذلك أن هناك فرقًا - بل فروقًا - بين تمكين الرضا، الذي يعد الله به عباده المؤمنين، وتمكين الاستدراج الذي يعطيه للكافرين حين"يريدون"الدنيا، ويبذلون الجهد المكافئ لتلك الإرادة، فيوفيهم جزاءهم في الحياة الدنيا، ويفتح عليهم"أبواب كل شيء"مما يتعلق بذلك التمكين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت