الصفحة 7 من 251

الذي يميز الناس في الأرض بعضهم من بعض، ويُحدّد لهم موقفهم ورؤيتهم - فقد ضلّوا الطريق من أول خُطوة، ودخلوا في المتاهة التي أدخلهم فيها الذين كانوا يوجهونهم - ولا يزالون - ليفرّقُوا وحدتهم السياسية من جهة، وليميعوا شخصيتهم المتميزة من جهة أخرى، التي منها اتخذوا وجودهم الخاص، وهي كونهم"مسلمين".."أمة من دون الناس".

وإذا انطلقوا من المنطلق"الأيديولوجي"- كما يسمونه - إما"ليبراليين"، وإما"اشتراكيين"أو"ماركسيين"، فقد دخلوا في المتاهة كذلك، وجَرَوْا مغمضي الأعين وراء الذي يَجُرّونهم إلى هذا الاتجاه أو ذاك، فإن أرادوا أن"ينظروا"قدم لهم كلّ اتجاه منظاره، وقال لهم كما قال فرعون من قبل: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر، الآية: 29] .

إنما منطلق المسلمين يحدده كونهم"مسلمين".. أي أنّ منطلقهم هو الإسلام.

والإسلام عقيدة، وشعيرة، وشريعة، ونظام سياسي واقتصادي واجتماعي، ورؤية خاصة للكون والحياة والإنسان، ورؤية خاصة كذلك لما يحدث من أحداث في الأرض، وتفسير خاص للتاريخ (1)

وقد يعيش الفرد العادي في كل أمة - ذلك الذي يسمونه"رجل الشارع!"بغير وعي ولا فهم لما يدور حوله من أحداث، لأنه يتناول الحياة جُزئية جزئية بغير ترابط، ولأنه مشغول بأمور حياته اليومية أو أمور شهواته، ولأنه لا صبر له على تحليل الأحداث وتعمقها، فهو يتناول الأمور جاهزة من وسائل إعلامه، كما يتناول وجبة الطعام الجاهزة من السوق، أو كما يتناول حبّة"الفيتامينات"الجاهزة التي أعدها له الأخصائيون في الدواء!

ولكن مفكري الأمم وكتابها فضلًا عن قادتها وأولي الأمر فيها لا يعيشون بهذا التبعثر وهذه السطحية وإلا هلكوا وأهلكوا أممهم! إنما هم يُفكّرون، ويُحلّلون،

(1) راجع إن شئت كتاب"حول التفسير الإسلامي للتاريخ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت