و بداية التفسير النفسي للإيمان هى التعريف المباشر له، وهو:"الاطمئنان". وليس أبلغ من هذا التعريف في محاولة التفسير، وذلك أن الاطمئنان هو استقرار الحقيقة في القلب: (الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل) . ولكن عمليه الإيمان من الناحية التحليلية والنفسية لا تنتهى عند حد التعريف لأن عملية الاطمئنان ذاتها تحتاج إلى قدر من التفصيل وهو العلاقة بين الفكرة الخارجية حتى مرحلة الاطمئنان بالقلب. وأول حقائق هذا التفصيل هى الامر الذى يقرب الفكرة من العقل لتعرض عليه فإن قبلها العقل نحلت فيه ثم مررها إلى الصدر، فتحدث الفكرة في الصدر انشراحًا واتساعًا لتصل إلى القلب، فينفتح لها القلب ليستوعبها وتستقر فيه، ويكون الإيمان والاطمئنان. وإذا لم يقبلها العقل فإنها ترتد خارجه عن إطار التفكير. أما الحالة الثالثة وهي التأرجح بين الإيمان بالفكرة أو رفضها فإنه يحدث في العقل نوع من الارتياب. فإذا تجاوزت الفكرة مرحله العقل دون أن يذهب هذا الارتياب فإنها تصل إلى الصدر بنوع من الضيق والحرج الصدرى فلا يقبلها القلب، لأن القلب لا يقبل إلا الحقائق التي يطمئن إليها وتطمئن فيه.
و لذلك كان الحق هو النور الذي ينشرح له الصدر، وهو تفسير قول الله عزوجل: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الزمر 22) .
ولكن تصديق العقل و انشراح الصدر و دخول الحق الى القلب يكون بالحب المحقق للاطمئنان
{ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} ، كما نلاحظ أن الأمر لم يتوقف عند حد إنشاء مادة الحب ذاتها بل يمتد ليكون الفعل الإلهي هو تزيين الإيمان، لأن الحب قد يتحقق في القلب من حيث الواجب الشرعي أما التزيين فهو تحقق الحب في القلب من حيث الرغبة الذاتية. أو"الهوى". ومن هنا كان الإيمان هو أن يكون هوى العبد تبعًا للشرع كما قال -"لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يكونَ هواهُ تبعًا لما جئتُ بِهِ" [1] .
ومن هنا كان المنهج القرآني في تحقيق الإيمان قائم علي ثلاث مرتكزات نفسية:
الحب في الإنسان
و المنفعة و الجمال في الكون.
وأما دليل الحب فهو قول إبراهيم في تفسير الإيمان (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ 75 فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) (سورة الآنعام: آيه 76) .
وقد جمعت آيات القرآن بين المنفعة في الكون و الحب في الإنسان ففي سورة البقرة (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (سورة البقرة:164) .
(1) [ضعيف] أخرجه الخطيب في تاريخه" (4/ 369) ، والبغوي في"شرح السنة" (1/ 213) من حديث عمرو بن العاص، وقال النووي: حديث حسن صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسنادٍ صحيح."
وقال الشيخ الألباني في"المشكاة" (167) تعقيبًا على كلام النووي:
وهذا وهم فالسند ضعيف فيه نُعيم بن حماد وهو ضعيف، وأعله الحافظ ابن رجب بغير هذه العلة مُتعقبًا على النووي تصحيحه إياه ... اهـ.