لقد اتفقنا أن الإنسان هو أهم عناصر هذا الكون وحسب قول ابن القيم:"فيه كل ما في هذا الكون".
واتفقنا أن أبرز ما في هذا الكون هو الحركة .. لذا كان لا بد أن تكون الحركة طبيعة الإنسان .. غير أن الحركة لا تتوقف فقط على مجرد السلوك والتصرفات والعمل، ولكنها تتجلى وتتضح بصورة كاملة في الحركة النفسية للإنسان .. والحركة النفسية للإنسان هي طبيعة الجانب النفسي فيه، حتى يمكن القول أن بقاء هذه الحركة هو الدليل على حياته الحقيقية، ومن هنا كان الجمع بين أهم الظواهر القدرية في النفس البشرية والحياة والموت في قول الله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. وَأَنَّهُ هُوَ أماتَ وَأَحْيَا} (النجم44:43) .
ومن هنا يجب دراسة هذه الحركة دراسة وافية.
ولعل أول خصائص هذه الحركة هو طبيعتها القدرية؛ حيث يتحول الإنسان من حالة إلى حالة دون متابعة شعورية لهذا التحول ..
والدليل على ذلك أن دعاء فك الكرب وهو قول المكروب:"لا حول ولا قوة الا بالله" [1] أى إن التحول من حالة الكرب النفسي إلى حالة الانفراج لا تكون الا بالله؛ يثبت الطبيعة القدرية للحركة النفسية من خلال ظواهرها الثابتة ونسبة هذه الظواهر إلى الفعل الإلهي كما سبق في قول الله: {وأنه هو أضحك وأبكى} .
ولذلك كان من أبرز خصائص الحركة النفسية هو انتقالها بين الحماس والفتور كما قال الرسول:"لكل شيء شرة وفترة". كظاهرة نفسية و سلوكية ثابتة في الانسان.
ولأجل أن الحركة صفة جوهرية للنفس البشرية فإن أشد ما يمر بالإنسان حبس النفس عن تلك الحركة، وهو ما يطلق عليه الصبر، ومن هنا كان الصبر لغة هو:"حبس النفس". ولعل التفسير اللغوي يفسر معنى الحركة الأصلية ..
ولعل أهم ظواهر الحبس أو الصبر التي لا يقدر الإنسان عليها ويبغضها؛ هي الانتظار إلى الدرجة التي يؤكد فيها الرسول - رغبة الإنسان في الحركة ولوكان متجهًا إلى الخطر والضرر، حيث يقول الرسول - في أهل الموقف: يود الناس الانصراف ولو إلى جهنم
ولعل أهم العمليات النفسية المخففة لثقل الانتظار هو التردد بين الروح والمجئ
أي: من حالة الحبس النفسي ... بالحركة السلوكية (التردد) وهو تصرف طبيعى ثابت عن الرسول - عندما كانت تهب ريح قبل أن ينزل المطر، حيث كان يروح ويجئ تخفيفًا لوطأة انتظار المطر الذي يطمئن بنزوله ويدرك أنه لم يكن وراء هذه الريح عذاب متوقع ..
إن هذه الحالة العصبية التي تخف فيها وطأة الانتظار لها معنى واحد هو التخفيف بالحركة المانعة من الإحساس بالانتظار.
أ- العلاقة الطردية:
ومن أهم حقائق المفهوم القدري للحركة النفسية حقيقة في الإنسان هي العلاقة الطردية، وهي تعلق صفة بصفة سلبًا وإيجابًا. ولعل أوضح الأمثلة على تلك العلاقة هي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يكبر الإنسان ويكبر معه شيئان: حب المال وحب الحياة" [2] .
ومن أمثلة العلاقة الطردية: العلاقة بين الإرادة (العزم) والذاكرة، وهو الواضح في قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} (طه:115) .
ب- العلاقة العكسية:
(1) [صحيح] وقد تقدم
(2) [صحيح] أخرجه البخاري في (الرقاق / بـ من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه / ح 6421) من حديث أنس بن مالك.