الصفحة 45 من 276

الأخلاق هي الصورة الثابتة لباطن النفس البشرية، لأنها الجانب الظاهر لطبيعة النفس الباطنة.

والظهور في معنى الأخلاق دليله الاسم ذاته، وهي من مادة: خلق المتعلقة بظاهر الأشياء وصورتها .. ولذلك يقول ابن منظور صاحب لسان العرب:

الخلوق: وهو الطيب، لأن الطيب أثر ظاهر.

والخلق: هو الشيء الأملس، واللمس صفة ظاهرة.

ولقد اجتمعت الأحاديث على المقارنة بين الصورة الظاهرة للإنسان وهي شكله، والصورة الظاهرة لباطنه وهي خُلقه، وذلك في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -

"الحمد لله الذي أحسن خَلقي، اللهم حسن خُلقي". وفي تفسير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما رأى يوسف:"إذا هو قد أُعطى شطر الحسن" [1] .

حيث قيل أن الشطر الآخر هو الخُلق.

والأخلاق هي العادة والسلوك الثابت في الإنسان. ووصف الخلق بالعادة الثابتة يأتي من قول الله عز وجل: (إن هذا إلا خلق الأولين) أى: عادة الأولين.

ومن الثبات في الأخلاق؛ تثبت الصفة الطبيعية لأن الطبيعة هي الثبات؛ ومن هنا كان تعريف الخلق: هو السليقة، وهو الشيمة، وهو المروءة، وهي من الثوابت في الإنسان. أما تعلق الخلق بالباطن فدليله ما ورد في الحديث من تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه الله وقوله تخلق أي أظهر في خلقه خلاف نيته، بذلك يكون التعريف النهائي للخلق أنه صورة الإنسان .. الظاهرة والباطنة.

والثواب والعقاب يتعلقا بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلق بأوصاف الصورة الظاهرة، وكما كان الثواب والعقاب متعلقًا بباطن النفس فإن هذا الباطن أساس المقارنة بين الأخلاق الإنسانية والبهيمية؛ والباطن هو المتغير الذي يبعد أو يقترب من هذه الطبيعة البهيمية، ومن هنا كان تشبيه الكافر بالحيوان مثل قول الله عز وجل: { ... وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ} (محمد: 12) .

فإن قلت: هل يمكن أن يقع الخلق كسبيًا، أو هو أمر خارج عن الكسب؟.

قلت: يمكن أن يقع كسبيًا بالتخلق والتكلف حتى يصير له سجية وملكة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس رضى الله عنه:"إن فيك خُلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والإناة"، فقال: أخلقين تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟ فقال:"بل جبلك الله عليهما". فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله [2] .

فدل على أن من الخلق ما هو طبيعة وجبلة ومنه ما هو مكتسب. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعاء الاستفتاح:"اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لايصرف عنى سيئها إلا أنت" [3] ، فذكر الكسب والقدر والله أعلم.

(1) [صحيح] أخرجه مسلم في (الإيمان / بـ الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم / ح 162) من حديث أنس بن مالك في حديث المعراج الطويل.

(2) [صحيح] اخرجه أبو داود في (الأدب / بـ في قبلة الرجل / ح 5225) من حديث زارع بن عامر.

(3) [صحيح] أخرجه مسلم في (صلاة المسافرين / بـ الدعاء في صلاة الليل / ح 771) من حديث علي بن أبي طالب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت