و فيه يمكن القول أن هي في حقيقتها غيبة الشعور بالنفس هو في جوهره غيبة حاسة السمع، ومن السمع يتم الانتقال إلى المخ حيث يتحقق أثر غيبة السمع في المخ في صورة انقطاع كل حواس الإنسان عن الواقع ..
وباعتبار أن السمع أعمق حاسة من الحواس التي تبلغ المخ وتؤثر فيه، كان النوم هو الضرب على الآذان كما قال سبحانه في فتية الكهف: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} (الكهف:11) .
ومن هنا فإن أي محاولة لإيقاظ نائم يجب أن تقوم على هذه الفكرة، مثل أن يشم رائحة نفاذة تصل إلى المخ بصورة أعمق من السمع، أو نضح الماء على الوجه إنشاءًا للصلة بين المخ والجهاز العصبي في أدق منطقة عصبية للإنسان والجهاز العصبي (الوجه) ، فإن السنة تثبت إمكانية مسح النوم عن طريق مسح الوجه باليد. كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وباعتبار الصلة بين النوم والمخ كانت حركة الرأس من أكبر الأدلة على قوة النوم أو ضعفه، على أساس أن حركة الرأس مؤشر لحالة النائم، ومن هنا فإن الشيطان عندما يحاول منع الإنسان من اليقظة للصلاة فإنه في الأساس يمنع حركة الرأس، ومن هنا كان العقد على القافية من أساليب الشيطان المختلفة لاستمرار نوم الإنسان كما قال:"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ وذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" [1] .
ولذلك كان جزاء من ينامون عن الصلاة شدخ رؤسهم بحجر: كما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج. [2] ... ومن الأساليب الأخرى لإحداث فاصل بين المخ والحركة العصبية حتى يبدو الإنسان وكأنه نائم من غير تغميض عينيه، وهي الظاهرة التي أخبر عنها الرسول: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن أحدكم إذا كان في المسجد جاءه الشيطان فأبس منه كما يأبس الرجل بدابته فإذا سكن له زنقه أو ألجمه".
قال أبو هريرة: فأنتم ترون ذلك أما المزنوق فتراه مائلًا وأما الملجوم فتراه فاتحًا فاه لا يذكر الله) [3]
وليس أدل على كون النوم غيبة لشعور النفس؛ من منع الشيطان الإنسان من إتمام الذكر، إذ يقول الرسول:"فيأتى الشيطان إلى أحدكم فينومه" [4] الحديث.
و النوم لغة هو: الرقود، وهو القعود بالبدن كمظهر من مظاهر فقد التحكم العصبي في الجسد ..
وعلى ضوء تفسير النوم يمكن تفسير أهم الظواهر المرتبطة به وأهمها ..
(1) [متفق عليه] اخرجه البخاري في (الجمعة / بـ عقد الشيطان على قافية الرأس / ح 1142) ، ومسلم في (صلاة المسافرين وقصرها / بـ ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح / ح 776) من حديث أبي هريرة.
(2) [صحيح] أخرجه البخاري في (الجنائز / بـ ما قيل في أولاد المشركين / ح 1386) من حديث سمرة بن جندب.
(3) [صحيح] أخرجه أحمد في (المسند / 8170) من حديث أبي هريرة، قال الشيخ شعيب، إسناده قوي.
(4) [صحيح] أخرجه أبو داود في (الأدب / بـ في التسبيح عند النوم / ح 5065) من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الكلم الطيب.