وارتباط الدراسات العصبية بالجانب القدري راجع إلى أن أهم مجالات هذه الدراسة هو ما اتفق على تسميته (السلوك اللاإرادي) .
ذلك لأن هذا المجال هادف بصورة نهائية إلى حفظ الإنسان مثل الحركة اللاإرادية المشهوره التي يفعلها الإنسان عندما يشك بدبوس حيث يبتعد لا إراديًا عن الدبوس.
والسلوك اللاإرادي سلوك خارج السيطرة العقلية ولكنها خاضعة للسيطرة العصبية ولذلك تسمى"السلوك الإلهامي".اتفاقًا مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة:"يلهمون التسبيح كما تلهمون النَفَس" [1] .. فاللنَفَس حركة لا إرادية، أي حركة إلهامية.
وباعتبار أن الوحي هو الحد الجامع لحقائق الدين و النفس، فإن الانتباه إلى الأساس النفسي فيه سيضع أعيننا وينبه إفهامنا إلى تصورات رائعة ومعان مهمة في دراسة النفس البشرية، وبهذا الاعتبار يمكن فهم القرآن والأحاديث على أنها نصوص منهجية في هذه الدراسة،
ـ وهذه آية لا يمكن بل يستحيل فهمها إلا بتصور أساسي عن النفس من الناحية العصبية وهو قول الله عز وجل: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} (الحج:15) .
وفي تفسير الآية قولان:
الأول: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه"محمدًا"- فليمدد بحبل إلى السماء ثم يخنق نفسه به أي يقطع رقبته.
الثاني: من كان يظن أن لن ينصر الله"محمدًا"- فليمدد بحبل إلى السماء ثم ليقطع هذا الحبل.
والأرجح هو الثاني؛ لأن الآية بعد الأمر بالقطع تقول: (فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (. إذن بقاء هذا الإنسان حي أولى لينظر هل يذهبن كيده غيظه، والدلالة النفسية للنص أن الإنسان عندما يتمنى شيئًا ويعجز عنه فإنه يصنع لهذا الموقف النفسي نموذجيًا رمزيًا يحقق فيه أمنيته ويعالج غيظه وعجزه.
والرمزية في هذا الموقف هي الحبل الذي يرمز إلى المدد من الله لنبيه -؛ ولذلك سيرمز إلى المدد بالحبل المشدود إلى السماء والأمنية هي قطع المدد فينقطع الحبل، وهكذا أصبح الموقف رمزيًا نفسيًا عصبيا.
وفكرة الرمزية طبيعة بشرية يمارسها الإنسان في موقف القوة والضعف، أما موقف القوة فمثاله: الراية التي تدل على الثبات في الحروب، ومثاله: تصرف سليمان مع ملكة سبأ قبل أن يأتيه قومها مسلمين. وكان تصرف القادر بإذن الله، وذلك عندما أتى بالعرش نفسه وهو رمز الحكم والسلطة بحيث أصبحت السيطرة على العرش بعد نقله إنهاءً لإحساسهم بالسيادة.
أما أمثلة موقف الضعف في ممارسة الرمزية فهي ما نراه من العاجزين عن مواجهة دولة بالقوة فيحرقون علمها ليعودوا بعد ذلك وكأنهم هزموا الدولة صاحبة الرمز، أو يعجزون عن مواجهة شخص ما فيصنعون تمثالًا ويحرقونه.
و أيه قرانيه أخرى في اتجاه الدراسه العصبيه هي قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (النور:39) .
وهي حالة نفسية تفسر العلاقة بين الحواس والمخ، وارتباط هذه العلاقة بالحالة النفسية للإنسان. والحالة هنا هي شدة الاحتياج الشديد إلى الشيء التي تجعل المخ كأثر للتمنى الشديد ينقل الواقع إلى الحواس في صورة ما يتمناه الإنسان.
(1) [صحيح] أخرجه مسلم في (الجنة وصفة نعيمها / في صفات الجنة وصفة نعيمها / 2835) من حديث جابر.