الصفحة 63 من 276

وليس الاحتياج فقط هو الذي يغير الواقع في إحساس صاحب الحاجة، فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الحب الشديد له نفس الأثر، حيث يجعل الإنسان لا يرى من يحب إلا في الصورة التي يريدها، فقال - عليه الصلاة والسلام -:"حبك للشيء يعمي ويصم".

ـ وحالة تغير الواقع في إحساس الإنسان بالتمني أو الحب هي أقصى درجات التأثير النفسي في الحواس، ولكن هذه الحالة لها بداية، وأولى درجاتها أن ينشأ عند الإنسان احتمال حدوث الشيء الذي يريده، مثلما كان عمر في بيته وكانت الحرب بين المسلمين والروم قائمة وكان للروم حلفاء من القبائل العربية ومنها قبيلة غسان وكان عمر يتوقع مجيئ غسان للحرب، وكان بيت عمر في أعالي المدينة فكان كلما نادى عليه مناديًا رد عليه قائلًا: أجاءت غسان؟، حتى كانت المرة التي أشيع فيها أن رسول الله - طلق نساءه فجاءه رجل وقال: يا عمر؛ فقال عمر: أجاءت غسان؟ فقال الرجل: إن الأمر أكبر من ذلك. وحكى له ما تردد بين الناس بخصوص زوجات النبي -.

وقد تختلف الدوافع في الإحساس بالواقع.

مثلما كان الدافع الرغبة في الجهاد وكما كان موقف عمر وكان بدافع معاكس لما كان عند عمر وهو إحساس الجُبن و الخوف مثلما قال الله في المنافقين (يحسبون كل صيحة عليهم) .

و في إطار الدراسات العصبية يأتى قول الله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} (الأحزاب:10) .

{زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} وهي حالة عصبية تبدأ بصورة نفسية وسببها الانفصال بالعقل عن الواقع حتى تصبح مرحلة عصبية ناشئة عن شدة الانفصال عن الواقع ورفضه.

وأول درجاتها هي توقف المخ عن إعطاء الإشارة إلى البصر بالتركيز فيما يراه مع إزاغة قليلة في مقلة العين. ويشتد الزيغ بحسب درجة الموقف العصبي، وتبلغ الحالة مداها بتوقف مقلة العين نفسها عن حركتها الطبيعية، فيقف البصر عند نقطة معينة انفصلت عندها إشارات المخ بالنظر فتكون حالة الشخوص (شخوص البصر) . {وبلغت القلوب الحناجر} ؛ وذلك عند زيغ البصر يكون قد بلغ الخوف غايته، وعندما يحدث ذلك تتأثر حركة الدم بحالة الفزع فيزداد القلب في ضخ الدم لتعويض النقص في الدم المتجه نحو المخ.

ولكن الدم الناقص لايعوض بحركة القلب الزائدة فيبدأ القلب في تقليل المسافة بينه وبين المخ، فعندئذ يقترب القلب مكانهُ ويتجه نحو المخ، كما قال تعالى: {وبلغت القلوب الحناجر} . وعندما يبلغ القلب الحناجر يصبح الفؤاد فارغًا كما قال سبحانه: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} (إبراهيم:43) . فتضيف هذه الآيات عنصر الخوف بعد عنصر التمني والحب. باعتبارها العناصر المؤثرة

في إحساس الإنسان بالواقع. عصبيا.

ـ ومن أمثله الدراسة العصبية للنفس من الأحاديث،

قول الرسول:"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء". [1]

والألفاظ في الحديث واضحة:

معي: مفرد أمعاء.

ونحن نسميها أمعاء لأنها جمع.

وقد أتت إليها صفة الجمع من تعدد طولها بنسب ثابتة إلى سبع مسافات عصبية.

فإذا أكل الإنسان حتى اقترب من إنهاء المسافة الأولى أحس بالشبع. وكان من الممكن أن يقوم عن الطعام وهو يشعر بالشبع.

ولكنه إذا أكل وتجاوز الطعام المنطقة العصبية التي تعطيه الإحساس بالشبع فإنه يشعر بالجوع مرة أخرى حتى تنتهي المسافة العصبية الثانية. وهكذا ..

فالمؤمن يشبع في المسافة العصبية الأولى من الأمعاء آي في معي واحد، والكافر لايقوم حتى يملأ كل الأمعاء (سبعة أمعاء) .

ومن الدراسات العصبية:

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت