الصفحة 59 من 276

و موضوع الوراثه يعتبر مثالا لتفسير البعد القدرى للتكوين الانسانى الإسلامي، ذلك لأن الوراثة في هذا التصور ليست محدودة بنقل الصفات بين الآباء إلى الأبناء، بل إن لها أبعادها القدرية والشرعية والأخلاقية. فمن أفعال الله في الخلق ما يمكن أن يكون معناه الولاء الكوني وهو الانتماء على أساس الأصل الكوني للخلائق، والمسئولية على أساس هذا الانتماء ..

ومن أمثلة الولاء الكوني بصفة عامة: وراثة الشياطين لموقف استكبار إبليس. بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا قرا ابن آدم السجده فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله ـ وفي روايه ـ أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجدة فأبيت فلي النار)

فالذي أُمر بالسجود فعلًا هو إبليس ولكن كل شيطان يعتبر رفض السجود موقفه هو ولاءًا منه لإبليس صاحب الموقف أصلًا.

ومن أمثلة الولاء الكوني أيضًا: الأمر بقتل البرص لأنه كان ينفخ النار على سيدنا إبراهيم، فكان الأمر بقتل أى برص ناتجًا عن تحمله لمسئولية نفخ البرص على سيدنا إبراهيم.

وبذلك يعتبر الولاء الكوني أوسع درجات الوراثة، ومنه وراثة الأعمال بذاتها وتحمل آثارها.

ومن هذا المفهوم كانت وراثة أبناء آدم للخطأ الذي فعله آدم في الجنة فخرج بنو آدم جميعهم من الجنة بفعلة أبيهم.

وهذه أول حقائق الوراثة؛ أن الأفعال تورث عن الآباء، ووراثة الأفعال ليست فقط وراثة آثار الفعل أو المسئولية عنه كما في خروج أبناء آدم، ولكن وراثة الأفعال معني بها وراثة الفعل ذاته وتحوله ونقله من خلال فعل الأب إلى طبيعة الابن السلوكية، بل قد تصبح سلوكًا ثابتًا أو أخلاقيًا، ودليل ذلك حديث جحود آدم [1] .

(1) خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ ومَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لَهُ دَاوُدُ. فَقَالَ: رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: أَيْ رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَلَمَّا قُضِيَ عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟ قَالَ: فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَنُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت