في قوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمان مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9) ، فجعل الإيمان محلًا لهم.
وبذلك يمكن القول: بيئة الإيمان .. أي البيئة القياسية لمن يعيش فيها وتم من خلالها تحقيق الإيمان أو تصحيحه أو زيادته ..
أو بعبارة مختصرة؛ مكان حياة المؤمن (الشخصيية السوية) .
ومما سبق يمكن أن يمتد معنى البيئة لكل مكان بحياة الإنسان ابتداءًا من بطن الأم .. التي يوجد فيها الإنسان جنينًا.
والآن تحاول الجاهلية تصحيح هذا الخطأ بتقديم الدراسات حول الحالة النفسية للجنين في بطن أمه ..
ولكن علم النفس الإسلامي يبدأ البداية الصحيحة فيعتبر أن بطن الأم هي أول الحقائق الاصطلاحية للبيئة ..
المرحلة الجنينيه:
ويحفظ لنا التراث الإسلامي حقيقة هي بطبيعتها إعجازية ولكنها تتضمن دلالة لما نحن بصدد إثباته، ذلك هو قول رسول الله -"إن أم يحيى قالت لأم عيسى: أما علمت أن الذي في بطنى يسلم على الذي في بطنك". وحتى لا يحتج بأن مثال عيسى ويحيى مثال إعجازى نذكر الدليل العام على تكوين الشخصية كما ستكون في الواقع من خلال حديث الملكين، إذ إن حديث الملكين يثبت أن الإنسان قد كتب عليه كل ما يتعلق به وهو لم يزل بعد في بطن امه.
-الأرض:
و إذا كانت المرحله الجنينيه هى البدايه الواقعيه لتحقيق ما كتب على الانسان بطريق الملكين فإنه بالولاده يدخل في بيئه جديده وهى الارض.
ولذلك كانت الارض بيئه واحده عامه لمن ولد عليها من البشر وكانت مهيئه للانسان قبل خلقة ولذلك طرأت على الإنسان خصائصه التي يتحمل بها الأحوال المترتبة على هذا النزول بصفته عقوبة.
وكان أهم هذه الأحوال الأرضية بهذه الصفه العامه هى الجوع والعرى والظمأ والحر،
و النصب والكدح ...
كما كانت ايضا بيئات مختلفه تتميز كل بيئه منها بخصائصها الثابته.
وكان أهم تصنيف للبيئه هو مصطلح البداوة و الحضارة.
البداوة والحضارة:
ونصوص الكتاب والسنة تحدد أهم المفاهيم الحضارية المؤيدة للمفهوم القائل بأن الإنسان هو مرتكز الحضارة، حيث جاء قول الله عز وجل: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:97) .
باعتبار أن الأعراب هي النوعية المنفصلة عن إطار الواقع الحضاري للدولة الإسلامية وهم البدو الرُّحل الذين كانوا في مواقع متناثرة من الصحراء من مكة"أم القرى"والمدينة. وكما انفصلت الأعراب عن واقع الدولة انفصلت كذلك عن حركتها وامتدادها العسكري، فكان الأعراب هم المخلفين، وفي هذا جاء قول الله: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفتح:16) .
وكنتيجة لانفصال الأعراب عن واقع الدولة؛ كان التخلف الاجتماعي فجاءت الحضر مقابل السفر. وباعتبار أن السفر هو الظرف المؤقت المانع لصاحبه من الاستقرار الاجتماعي والذي يجيز للمسافر القصر في الصلاة، فارتبط بذلك معنى الاستقرار الاجتماعي بمفهوم الحضر أو الحضارة.