الصفحة 11 من 79

وعلى كل حال فإن الحديث هنا ليس عن أفراد بعينهم يوافقون أو يتحفظون، ولكن الحديث عن أحزاب وبرامج وأفكار، فهؤلاء المعتدلون من العلمانيين والماركسيين ماذا سيحوي برنامجهم؟ هل سيقبلون تحكيم شريعة الله أم لا؟ وعلى ضوء إجابتهم يكون الحكم عليهم، أما التحفظ والتوجس فلا أدري كيف سيعبر عنه أولئك المعتدلون في برامجهم.

إن البرامج لابد أن تتسم بالوضوح، وشريعة الله لا تقبل التمييع ولا أنصاف الحلول، فليعلن هؤلاء رأيهم واضحًا في قضية القضايا وهي مسألة الحاكمية والتشريع حتى يحكم عليهم حكمًا صحيحًا.

وأصل الآن إلى الذين قالوا بأنه لا مانع من قيام حزب ماركسي أو علماني وليكن صندوق الانتخابات فيصلًا بيننا وبينهم، وكذلك الفتوى الخاصة بأن على الإسلاميين إن كانوا في الحكم وانتخب الشعب غيرهم أن يتركوا الحكم لمن اختاره الشعب، فأقول: لن أعيد ما قلته من أدلة على بطلان قيام حزب على مثل هذه الأسس الأرضية، ولكني أذكر آية واحدة من كتاب الله هي قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ ولا مُؤمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمرًْا أن يَكُوِنَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمرِهِم وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا مُبِينًا} (الأحزاب:36) ، فإن هذه الآية تبين في جلاء ووضوح أن المسلمين ليس لهم الخيار في تنفيذ شريعة الله بل هم ملزمون باتباعها بلا مناقشة ولا جدال، وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن من الكفر الأكبر المخرج من الملة أن يعتقد المرء أنه مخير في حكم الله (14) (أي في العمل به أو تركه) ، والقول بأن الحَكَم بيننا وبينهم صندوق الانتخابات معناه أن يقال للناس هل تريدون أن تُحكموا بشريعة الله أم بالماركسية أو العلمانية أو البعثية، أي تخييرهم في الأمر بعد إذ قضى الله فيه قضاء شرعيًا مبرمًا فقال سبحانه: {إن الحكم إلا لله} (يوسف: 40) .

وأخطر من هذا أن يقال: إن الإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم عليهم أن يتركوه إذا اختار الشعب غيرهم؛ فإن معناه أن الحاكم المسلم الذي مكن الله له أن يحكم البلاد بشرع الله، عليه أن يسلم الأمر لمن يسوسه بشرعة الشيطان.

إن القضية هنا ليست قضية أفراد ولكنها قضية منهج فإذا رأت الأمة أن حاكمها قد قصر فيما أوجبه الله عليه وصار لا يصلح للولاية فإنها تعزله وتأتى بغيره ممن يتبعون نفس المنهج الإلهي ولا يصح أن يُترك للناس الخيار في اتباع أي منهج يشاءون، وحينما قلنا إن الديمقراطية تعنى حاكمية الشعب غضبتم منا وقلتم لا يلزم من المناداة بالديمقراطية ذلك، فها أنتم رجعتم إلى ما نفيتموه من قبل فأعطيتم الشعب الحق في اختيار أن يحكمه الإسلاميون بشرع الله أو أن يحكمه العلمانيون بغير شرع الله، فهل هناك تحكيم لغير الله أوضح من هذا؟

(7) انظر كتاب مشكلات في العلوم السياسية للدكتور أحمد جمال ظاهر (2/ 40) .

(8) انظر في ذلك مجموع فتاوى ابن تيمية (12/ 484) ، وشرح الطحاوية لابن أبي العز ص:437.

(9) أخرجه البخاري (3017) ، (6922) وأبو داود (4351) والترمذي (1458) والنسائي (7/ 104) وابن ماجه (2535) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

(10) جريدة الأهرام عدد 25/ 8/1992 م.

(11) المصدر السابق نفس العدد.

(12) المصدر السابق نفس العدد.

(13) جريدة الأهرام عدد 8/ 9/1992.

(14) مدارج السالكين (1/ 327) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت