الصفحة 19 من 79

ونحن نقصد من هذه النقطة أنه بإلقاء نظرة على بعض أقوال من سماهم الكاتب بالمتصالحين مع الديمقراطية من الإسلاميين، فسنجد أنه حتى هؤلاء في مجملهم لا يقبلون الديمقراطية برمتها، ولكنهم يرفضون ما فيها من مخالفة لشرع الله وأول ذلك قضية التشريع، ويبدو ذلك واضحًا في ما نقله الأستاذ فهمي هويدي نفسه عن الدكتور ضياء الدين الريس في كتابه (النظريات السياسية الإسلامية) حيث ذكر من الفروق بين الإسلام والديمقراطية: (( أن سلطة الأمة في الديمقراطية الغربية مطلقة فالأمة حقا وعلى الإطلاق هي صاحبة السيادة هي أو المجلس الذي تنتخبه التي تضع القانون أو تلغيه والقرارات التي يصدرها هذا المجلس تصبح قانونا واجب النفاذ وتجب له الطاعة ... ولكن في الإسلام ليست سلطة الأمة مطلقة هكذا وإنما هي مقيدة بالشريعة بدين الله الدين الذي اعتنقه والتزم به كل فرد منها فهي لا تستطيع أن تتصرف إلا في حدود هذا القانون، وهذا القانون هو الذي يحتويه الكتاب والسنة ) ) (27) .

بل إن الفتوى التي نشرها الكاتب للدكتور القرضاوي في إباحة الديمقراطية تؤكد على أن الحاكمية لله مبدأ إسلامي أصيل وأن الدعوة إلى الديمقراطية إنما هي باعتبارها شكلًا للحكم يجسد مباديء الإسلام في اختيار الحاكم وإقرار الشورى والنصيحة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومقاومة الجور ... الخ (28) .

والمقصود أن الكثيرين ممن يمكن أن يسموا بالمتصالحين مع الديمقراطية رفضوا فيها ما رفضناها لأجله وهو قضية التشريع، وهذا القدر من الاتفاق كافٍ في نفي الشذوذ عمن رفض فكرة الديمقراطية برمتها فقد تم الاتفاق على مبدأ أساسي وهو رفض ما في الديمقراطية الغربية من إعطاء الحاكمية للشعب، ثم حدث بعد ذلك الخلاف؛ فهم قالوا إننا سنأخذ من الديمقراطية ما يتوافق مع الإسلام وندع ما يخالفه، ونحن قلنا إن ذلك إنما يكون لو كانت الخلافات في مسائل فرعية، أما والخلاف في مسألة التشريع - وهي عندنا مسألة عقيدة وعند الديمقراطيين قاعدة أساسية لابد منها للبناء الديمقراطي - فإن الحق الذي لا محيص عن القول به أننا نكتفي بإسلامنا ونرفض ما عداه، وكل ما عند غيرنا من خير لا يخالف إسلامنا فلنا أن نأخذه ونعمل به ولن نكون بذلك قد خرجنا عن إسلامنا ولن نحتاج إلى أن نسمي ذلك باسم غير الإسلام.

(27) النظريات السياسية الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس نقلًا عن جريدة الأهرام عدد 11/ 8/1992.

(28) جريدة الأهرام عدد 18/ 8/1992.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت