ذم الإسلام التشدد وعاب أهله، ونهى عن التنطع والغلو في الدين، ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) (1) ، وعند مسلم من حديث ابن مسعود مرفوعًا: (هلك المتنطعون) قالها صلى الله عليه وسلم ثلاثًا (2) ، والمتنطعون هم المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد كما قال النووي رحمه الله (3) .
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) (4) .
وقد ظل المسلمون قرونًا طويلة يعلمون أن دينهم قد نهى عن التشدد والغلو في الدين، حتى كانت هذه الأعصار الأخيرة ووفد علينا من بلاد الغرب ما وفد من أنماط المعرفة والسلوك، وكان مما وفد علينا مصطلح جديد هو مصطلح التطرف.
وتلقف الكثيرون هذا المصطلح فصار - بعد إضافة كلمة الديني إليه - علمًا على من يراد وصفهم بالتشدد والتزمت والغلو في الدين.
ثم صار كلٌّ يضع في سلة التطرف من يراه متشددًا بالنسبة لما يراه هو لا بالنسبة لما تقتضيه النصوص الشرعية.
فقوم يرون في ستر المرأة وجهها نوعًا من التطرف الديني، بل قال بعضهم: إن ذلك ليس من الإسلام في شيء (5) .
وقوم يصمون كل من أعفى لحيته بأنه متطرف.
وقوم من العلمانيين يصفون بالتطرف كل من نادى بتطبيق شرع الله، ومنهم من ينادي بمنع أحاديث الشيخ الشعراوي من التلفاز لأنها تبذر في الشباب بذور التطرف.
وفريق من أهل الباطل يقسمون دعاة الإسلام إلى معتدلين ومتطرفين ثم يضغطون على (المعتدلين) ليكونوا معهم ضد هؤلاء المتطرفين، وإلا اتهموا بموالاة المتطرفين والدفاع عنهم، وما أدراك ما تعني هذه التهمة في بلاد قد غلب عليها الباطل والتنكر لشرع الله عز وجل.
وغني عن البيان أن أهل الباطل لا يريدون أن يروا من أصحاب الدعوة متطرفًا ولا معتدلًا، ولكنها سياسات مرحلية يجسدها القول السائر: أُكلتُ يوم أُكِل الثورُ الأبيض.
وإذن فقد صار هذا المصطلح الوافد تعبيرًا مطاطًا يفسره كلٌ على حسب رغبته وهواه.
وأود في السطور التالية أن أتناول في عجالة صحة استعمال هذا المصطلح من حيث الشكل ثم من حيث المضمون.
(1) سبق تخريجه ص: 77.
(2) أخرجه مسلم (2670) وأبو داود (4608) وأحمد (1/ 386) .
(3) رياض الصالحين ص: 95.
(4) أخرجه النسائي (5/ 268) وابن ماجه (3029) وأحمد (1/ 215) .
(5) القائل هو شيخ الأزهر الحالي الدكتور سيد طنطاوي، وقد سمعت منه هذا القول في حوالي العام 1409ه حين كان مفتيًا لمصر وذلك في برنامج تبثه إذاعة القاهرة بعنوان (لو كنت مكاني) .