إن جوهر الديمقراطية كما رأينا هو إعطاء الناس حق التشريع وأن يَحكُم الناس أنفسهم بما يشاءون وهذا القدر كما رأينا متحقق في كل ما نعلمه من صور الديمقراطية.
وهذه القضية هي لب الخلاف بين الإسلام والديمقراطية فالإسلام يقرر في جلاء ووضوح أن حق التشريع هو حق خالص لله عز وجل، فالحرام ما حرمه الله والحلال ما أحله الله، وليست هذه القضية مسألة فرعية كما قد يظن البعض بل هي قضية متعلقة بأصل العقيدة، وعلى من يمارى في ذلك أن يتدبر قول الله عز وجل: {أَمْ لَهُمْ شُرَكاء شَرَعُوا لَهُم مِن الدِّينِ مَا لَمْ يَأذَن بِهِ اللَّهُ} (الشورى: 21) ، وقوله: {أَلَم تَرَ إلى الذينَ يَزعُمُونَ أَنَّهُمُ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَِ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُون أنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيد الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعيدًا} (النساء:60) ، وقوله تعالى: {فلا وربكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيمًا} (النساء: 65) .
يقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في رسالة تحكيم القوانين عن هذه الآية: (( وقد نفى الله سبحانه الإيمان عمن لم يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم نفيا مؤكدا بتكراره أداة النفي وبالقسم ) ) (3) .
وقد نقل ابن كثير رحمه الله الإجماع على كفر من اتخذ لنفسه شريعة غير شريعة الله فقد قال عند حديثه عن الياسا التي وضعها جنكيز خان ليحكم بها بين أتباعه: (( فمن ترك الشرع المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ) ) (4)
فإذا كان الأمر بهذه المثابة فإن السؤال الذي نطرحه على من ينادون بالديمقراطية من الإسلاميين هو: لمن تكون الحاكمية في المجتمع الديمقراطي الذي تنشدونه؟ وهل يجوز للناس أن يشرعوا لأنفسهم من دون الله؟
إن قلتم إن للبشر الحق في أن يشرعوا لأنفسهم ما يشاءون، قلنا أغضبتم ربكم وخالفتم إسلامكم وقلتم قولًا عظيما، وإن قلتم بل نريد ديمقراطية لا تعطي للناس حق التشريع من دون الله فإنه لا حكم إلا لله، قلنا فهذه ليست ديمقراطية إذن وإنما هي الإسلام فلم تبحثون عن أسماء أخر أو لا يكفيكم ما سماكم الله به؟
وإذا كان هناك من العلماء المعاصرين من يقول: (( ليس يلزم من المناداة بالديمقراطية رفض حاكمية الله للبشر فأكثر الذين ينادون بالديمقراطية لا يخطر هذا ببالهم وإنما الذي يعنونه ويحرصون عليه هو رفض الدكتاتورية ... ) ) (5) . فإننا نقول له: ونحن لم يخطر ببالنا ونحن نرفض الديمقراطية أنه يمكن أن تكون هناك ديمقراطية تتخلى عن جوهرها وهو إعطاء البشر حق التشريع لأنفسهم وهذا النوع من الديمقراطية لم يوجد بعد حسب علمنا بالتاريخ وبالواقع، ومن شاء أن يفترض هذا النوع من الديمقراطية في ذهنه ثم يحكم عليه بالقبول فليفعل، لكن ليس من حقه أن يُخطِّيء غيره ممن استند إلى واقع ملموس رأى فيه مخالفة شرع الله فرفضه.