إن من الأمور المعروفة في ظل الأنظمة الديمقراطية الغربية أن أبناء الوطن الواحد يكون لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات دونما تفرقة بين شخص وآخر بسب اللون أو الجنس أو العقيدة، وهذا مما يتعارض مع الإسلام فإن الإسلام وهو دين العدل المطلق لم يأت بالمساواة التامة المطلقة بين البشر، وهناك الكثير من الأحكام القطعية التي لا يسوي فيها الإسلام بين المسلم وغير المسلم، والله تعالى يقول: {أَفَنَجْعَلُ المُسِلِمِينَ كَالمُجرِمِينَ} (القلم:35) ، وليست هذه الآية خاصة بأمر الآخرة كما قد يفهم البعض؛ فإنه وإن كانت الآية في سياق الحديث عن الآخرة فإن لفظها عام في أن الله لا يجعل المسلمين كالمجرمين لا في الدنيا ولا في الآخرة، ويؤيد ذلك عدم المساواة بين المسلمين وغيرهم في كثير من الأحكام ألا ترى أن المسلم يجوز له أن يتزوج كتابية بينما لا يجوز أن يتزوج كتابي بمسلمة، وقد صح في الحديث أنه (لا يقتل مسلم بكافر) (15) .
وأنا أضرب هنا مثالًا يتعلق بما نحن بصدده؛ وهو أنه في ظل الأنظمة الديمقراطية فإن حق الترشيح لرئاسة البلاد مكفول لكل مواطن تنطبق عليه شروط معينة ليس من بينها شرط الديانة، وفي مصر فإن الدستور المصري ينص في مادته الثلاثين على أنه يشترط في من ينتخب رئيسًا للجمهورية أن يكون مصريًا من أبوين مصريين ولم يشترط أن يكون مسلمًا، وبناءً على هذه المادة فإنه يمكن أن ينتخب يهودي أو نصراني رئيسًا لمصر ما دام مصريًا من أبوين مصريين، وقد سبق أن حكم النصراني (سنجور) السنغال وهو بلد مسلم، والآن يحكم المسلمين في إريتريا النصراني (أسياسي أفورقي) وكل ذلك يتم تحت شعارات الديموقراطية.
أما في الإسلام فإن من البدهيات التي لا تحتاج إلى بيان أنه لا يجوز أن يرأس دولة المسلمين غير مسلم، وأدلة الشرع واضحة في ذلك فالله تعالى يقول: {وأطِيعوُا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولِ وَأُوْلِى الامرِ مِنكُم} (النساء:59) ، فأولو الأمر لا بد أن يكونوا منا أي من المسلمين، وقد وقع إجماع الأمة على هذه القضية فلا نظن أحدًا يماري فيها (16) .
والمقصود أننا نرفض الديمقراطية في صورتها الأصلية لعدم أخذها في الاعتبار اختلاف الناس في الدين وتسويتها بينهم من كل وجه فكيف إذا وجدنا في ديمقراطيتنا العرجاء أنه يسمح لكل من هب ودب بأن يشكل حزبًا إلا الإسلاميين، ونجد كثيرًا من الكتاب العلمانيين الديمقراطيين يؤيدون ذلك بل ينادون بالمزيد من الكبت للإسلاميين وحدهم، وقد قال وحيد رأفت ذات يوم - وقد كان نائبا لحزب الوفد أعرق الأحزاب الديمقراطية العلمانية في مصر - قال: (( إن سلامة الأمة فوق الدستور ) )، وراح كبيرهم يستشهد بتلك المقولة على صحة ما يفعله نظامه من إجراءات قمعية ضد أبناء الحركة الإسلامية في مصر حتى وإن خالف ذلك دستورهم وقانونهم الذي وضعوه بأنفسهم، ولعل ذلك يفسر ما قاله سلفه من أن ديمقراطيتهم لها أنياب.
(15) قطعة من حديث أخرجه البخاري (111) والترمذي (1412) والنسائي (8/ 23) وابن ماجه (2658) من حديث علي مرفوعًا.