الصفحة 13 من 79

(16) غير أن هذا الذي كنا نظن أنه لا يماري فيه أحد قد وجدنا للأسف من يماري فيه؛ ففي مقال آخر للأستاذ فهمي نشر بعد كتابة مقالاته السابقة بحوالي سنتين أو ثلاث ذكر أنه شارك في ندوة عقدت بالقاهرة انتهى أصحابها إلى أنه لا يلزم الآن أن يكون رئيس البلاد مسلمًا، وليس لديَّ الآن نص تلك المقالة، ولكن مضمونها أن مجموعة ممن يمثلون التيار الإسلامي شاركوا في تلك الندوة وتدارسوا ورقة قدمها أحدهم وخلاصتها أن الشرط الذي كان يشترطه الفقهاء من كون الحاكم مسلمًا قد انتهى زمنه الآن باعتبار أن الدولة الآن لا تقوم على أساس ديني ومن ثم فإنه يجوز أن يتولى رئاسة الدولة غير مسلم وقد ذكر الكاتب أن الحاضرين قد وافقوا على هذه الورقة إلا الأستاذ مصطفى مشهور الذي قال إنه لابد أن يراجع إخوانه في الجماعة في ذلك. والملاحظ أنه قد كثر في كتابات الأستاذ فهمي هويدي الحديث عن مثل هذه الندوات التي يشارك بالحديث فيها خمسة أو ستة ممن يمثلون في نظره تيار الوسطية والاعتدال بين الإسلاميين، حتى إذا انتهى هؤلاء إلى رأي نشره على أنه الرأي الذي يتبناه مجمل الإسلاميين وأن ما عداه إنما هي هو أقوال شاذة باطلة.

والحق أن ما يصل إليه هؤلاء إنما هو مجرد أقوال لا تعبر إلا عن آراء أصحابها لا يمكن نسبتها إلى مجمل الإسلاميين في مصر أو غيرها، وإذا كان الأستاذ مصطفى مشهور وهو يمثل جماعة كبيرة لم يوافق على ما توصل إليه المجتمعون؟ بل إن أغلب فصائل العمل الإسلامي في مصر ترفض هذا الذي قيل، ثم أين رأي العلماء؟ فإنه لم يكن بين الحاضرين ممن ينسب إلى العلم الشرعي إلا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله الذي نسب إليه الأستاذ فهمي الموافقة على هذا القول فإن صح عنه ذلك فإنه مجرد رأي لواحد من أهل العلم يخالف النصوص الشرعية وإجماع العلماء سلفًا وخلفًا.

ولست أريد أن أخوض هنا في جدال عقيم مع أولئك النفر الذين نقل عنهم الكاتب ما نقل؛ فالأمر كما أسلفنا أوضح من أن يحتاج إلى بيان، ويكفينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شرع لنا القيام على الحاكم إذا بدا منه كفر كما في حديث عبادة بن الصامت ( ... وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) . [أخرجه البخاري (7055) ، (70569) ومسلم (1709) ] فهل يعقل في شريعة تأمر بالخروج على الحاكم إذا خرج عن الإسلام أن ترضى بأن يكون الحاكم كافرًا من حيث الأصل؟، وإذا كان المقصود من إقامة الحاكم في الإسلام أن يقيم الشرع وأن يحمي بيضة الإسلام وأن ينصر الدين فهل يقبل أن توكل تلك الأمور إلى غير مسلم؟ ورحم الله الجويني حيث يقول في غياث الأمم (ص 98) : (( الإسلام هو الأصل والعصام فلو فرض انسلال الإمام عن الدين لم يخف انخلاعه وارتفاع منصبه وانقطاعه فلو جدد إسلامًا لم بعد إمامًا إلا أن يجدد اختياره ) )أهـ

أما الحجة التي سيقت لتبرير هذا الأمر فما أوهاها من حجة؛ ذلك أن هذا الوضع الذي بنيتم عليه قولكم هو في شرعة الإسلام وضع مرفوض جملة وتفصيلًا، فالله تعالى لم ينزل شريعته إلا لتحكم بين عباده وتسود في أرضه ومتى كان الأمر كذلك كان بطلان هذا القول مما لا يحتاج إلى بيان لأنه مبني على باطل، وما بنى على باطل فهو باطل.

وإذا كان هؤلاء الإسلاميون (المعتدلون) يبنون حكمًا شرعيًا على واقع لا يقره الإسلام ولا يرضاه فما الفرق إذن بينهم وبين العلمانيين الذين لا يرون للدين شأنًا في شؤون الحكم وأمور السياسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت