فهذه هي حيثياتنا في رفض الديمقراطية بصورتها التي نعرفها ونراها، وإنه لمن نافلة القول أن أذكر أن هذه الأمور الأربعة التي رفضنا لأجلها الديمقراطية ليست لازمة بنفس الدرجة لكل صور الديمقراطية؛ فإنه يمكن تصور ديمقراطية معدلة بدون النقطتين الثالثة والرابعة (المساواة والحريات) ولكن يعسر تصور ديمقراطية بدون إطلاق حرية تشكيل الأحزاب بينما يستحيل وجود ديمقراطية بدون العيب الأول (مسألة الحاكمية والتشريع) فإنها لو تخلت عنه لما صارت ديمقراطية كما أسلفنا مرارا.
وغني عن البيان أيضا أنه لا يلزم من رفضنا للديمقراطية رضاؤنا بالدكتاتورية والاستبداد، بل نقول: لا هذه ولا تلك إنما نريد الشورى الإسلامية التي وصفنا الله بها فقال: {وأمرهم شورى بينهم} (الشورى:38) .
ومثل هؤلاء الذين يرمون من يرفض الديمقراطية بأنه يريد الدكتاتورية كمثل أولئك الذين كنا إذا قلنا لهم إننا لا نريد الاشتراكية، يقولون إذن أنتم تريدون العودة إلى الإقطاع واستغلال رأس المال.
والمسلم الحق إذا قيل له أتفضل العيش في ظل نظام ديمقراطي أم الحياة تحت سياط الدكتاتورية والاستبداد؟ فإنه سيقول بلا شك: إن الديمقراطية أفضل من الديكتاتورية، ولكنه تفضيل من باب بعض الشر أهون من بعض، وعلى سبيل المثال فإن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا يعلمون أنهم لا يعيشون في مجتمع مسلم حتى بعد إسلام النجاشي، ولم يكن التكييف الفقهي لهجرتهم تلك أنها هجرة من دار كفر لدار إسلام، بل كانت هجرة من دار خوف لدار أمن، ولذا كان المسلمون في الحبشة يتلهفون على العودة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتظرون أن يُمكَّن له صلى الله عليه وسلم حتى يرجعوا إليه، ولذا فإنه لما وصلهم خطأ أن قريشًا قد أسلمت اتجهوا سريعًا إلى مكة فلما علموا بكذب الخبر رجعوا مرة أخرى حتى مكن الله لرسوله بالمدينة فهاجروا إليه هجرتهم الثانية رضي الله عنهم أجمعين.
وعلى هذا فالمسلم قد يقول إن الديمقراطية أفضل من الديكتاتورية ولكن لا يجعل الديمقراطية هدفًا يطالب به أو غاية يسعى إليها، وأجدى من مطالبته بالديمقراطية أن يطالب بالإسلام وأن يركز جهوده في الدعوة إلى الدين الحنيف.
وإذا كان البعض يذكرنا بأن هناك شعوبا ما نالت الديمقراطية إلا بدماء أبنائها فإننا نقول فأولى بكم أن تدعوا شباب الأمة إلى بذل دمائهم رخيصة في سبيل عزة دينهم لا في سبيل مذاهب أرضية وضعية قد يكون فيها صواب، ولكنه بالتأكيد ليس الصواب المطلق فإن ذلك لا يتأتى إلا لصبغة الله عز وجل: {صِبغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} (البقرة:138) .