الصفحة 73 من 79

وسطية الإسلام بدهية لا تحتاج إلى كثير بيان، وكيف يحتاج إلى بيان ما أوضحه محكم التنزيل بأجلى بيان؛ كما قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا} (البقرة:143)

وقد أفاض أهل العلم من السلف والخلف في بيان وسطية هذا الدين وبراءته من كل إفراط أو تفريط، ومن ذلك ما قاله الإمام الطبري رحمه الله: (( وأرى أن الله تعالى ذِكْرُه إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها ) ) (1) .

ويقول الإمام ابن القيم: (( ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد ) ) (2) .

وكما أن أهل الإسلام وسط بين أهل الملل، فإن أهل السنة والجماعة وسط بين فرق الأمة (( فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال العباد بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب الوعد والوعيد بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج ) ) (3) .

بيد أن مفهوم الوسطية في الإسلام قد تعرض كما تعرض غيره من المفاهيم إلى قدر غير يسير من الخلط والتشويه إنْ بحسن نية وإنْ بسوء نية.

فتحت دعوى وسطية الإسلام تميعت كثير من القضايا الإسلامية واختلط فيها الحق بالباطل، وضل عن معرفة الحق الكثيرون.

فنحن نجد بين الإسلاميين مثلًا من ينادي بالديمقراطية نظامًا للحكم، ثم لا يخجل من أن ينسب ذلك إلى الإسلام، بل يعتبر ذلك من وسطية الإسلام، وأنه لا يخالفه في ذلك إلا من شذ عن مجمل الخطاب الإسلامي العام، ونجد بعض أهل العلم المعاصرين يفتي بأن الإسلام لا يحرم النهج الديمقراطي، بل يقول إنه إن وصل الإسلاميون إلى الحكم ثم اختار الشعب غيرهم في انتخابات تالية فعليهم أن يتنازلوا طواعيةً عن الحكم لمن يحكم الناس بالعلمانية أو الشيوعية أو غيرها من المذاهب الأرضية.

ويوم أن أُعلن أن تركيا قد سحبت اعترافها بجامعة الأزهر، لم يجد رئيس جامعة الأزهر دفاعًا عن جامعته إلا أن يقول إنها تمثل الوسطية وتنبذ التطرف، هذا مع أن الحكومة التركية لم تقدم على قرارها المذكور خوفًا مما يسمونه بالتطرف، وطلبًا للوسطية والاعتدال، بل القاصي والداني يعلم أنها إنما فعلت ذلك تنفيذًا لمباديء علمانيتها المعادية لكل ما هو إسلامي.

وليس من غرضي في هذه العجالة أن أستقصي مظاهر الخطأ في فهم قضية الوسطية، وإنما أريد هنا أن أُذكِّر بعدة حقائق أرى أنها لابد من أن تكون ماثلة في الأذهان عند كل حديث عن قضية الوسطية ...

(1) تفسير الطبري (3/ 142) .

(2) مدارج السالكين (2/ 496) .

(3) العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، بشرح خليل هراس ص:124 - 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت