دعوة الخلق إلى الله عبادة من أجل العبادات، وأهلها هم أحسن الناس قولًا إذا عملوا الصالحات وكانوا من المسلمين كما هو نص القرآن الحكيم: {ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين} (فصلت: 33) .
وإذا استقر في ذهن الداعية هذا البعد التعبدي للدعوة إلى الله علم أنه لا يشرع في مجال الدعوة إلى الله إلا ما كان موافقًا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وليس من شك في أن الحكمة ينبغي أن تكون منهاج المسلم في الدعوة إلى الله كما قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ... } (النحل:125) .
غير أننا لا نمل التذكير بأن مفهوم الحكمة أعم من أن يقصد به مجرد اتباع الرفق واللين كما يظن كثير من الناس في عصرنا هذا؛ وإنما تتمثل الحكمة في اتباع الأسلوب الأنسب في حينه، إذ الحكيم هو من يضع الشيء في موضعه، ولذا فقد عرف ابن القيم الحكمة بأنها (( فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي ) ) (1) ، وقال القرطبي في بيان معنى الحكمة: (( مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو فعل ... وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه ) ) (2) .
كما أنه ليس من ضير على الداعية أن يتخير الأساليب المناسبة لمن يدعوهم وأن يستعين ببعض ما أفرزته العلوم الحديثة في علوم الاجتماع والإدارة وغيرها في معرفة أحسن الطرق للوصول إلى قلوب المدعوين وعقولهم، ولا شك أن هذا مما يعينه على أن يدعو بالحكمة التي هي كما أسلفنا وضع الشيء في موضعه.
غير أن ذلك كله يجب أن يكون في إطار ما أسلفناه من ضرورة تحكيم النصوص الشرعية في كل الأمور، حتى لا يقع الداعية في أمور يظنها من صميم الحكمة والصواب، وهي عند التحقيق أبعد ما تكون عن ذلك.
وقد قرأت منذ فترة كتابًا صدر في بعض بلاد الغرب يدعو إلى أن يستفيد الدعاة من الأساليب الحديثة في التنظيم والإدارة وغيرها (3) ، وبدهي أنه ليس لنا من اعتراض على ذلك، غير أني قد وقفت في ذلك الكتاب على واقعة أوردها الكاتب تحت عنوان (الدعوة بين النظرية والتطبيق) رأيت أن فيها نموذجًا حيًا يبين أهمية ما ذكرناه من ضرورة تقديم التأصيل الشرعي على ما قد يتوهم المرء بخبرته أنه من أسباب الحكمة في الدعوة إلى الله.
وملخص تلك الواقعة أن شيخًا كان يدرب طلابه على الدعوة إلى الله فكان يدرسهم نظريًا لمدة ستة أشهر، ثم يدربهم عمليًا لمدة ثلاثة أشهر قبل أن ينطلقوا في مجال الدعوة، ولكن طالبًا متعجلًا رأى أنه تكفيه الدراسة النظرية وأنه لا حاجة به إلى التدريب العملي، فانطلق رغم تحذير أستاذه يمارس الدعوة إلى الله، وذهب إلى قرية بعيدة فوجد خطيبًا يخطب الجمعة، ولكنه ملأ خطبته بالكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فما كان من الطالب إلا أن وقف بعد الصلاة صائحًا أن هذا الإمام كاذب، فرد الإمام أن هذا الشاب كافر يستحق العقاب فقام جمهور المصلين على الشاب فأوسعوه ضربًا، فرجع إلى أستاذه بضمادات وعظام محطمة، فقال له شيخه دعني أُرِك مثالًا عمليًا في الدعوة إلى الله.
وفي الجمعة التالية ذهب الأستاذ مع تلميذه إلى نفس المسجد، وكرر الخطيب افتراءاته على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فما كان من الأستاذ إلا أن وقف بعد الصلاة وخاطب الناس قائلًا: إن خطيبكم رجل من أهل الجنة، وكل من يأخذ شعرة من لحيته سينال الجنة.
وعلى الفور هجم الناس على الإمام ينزعون شعر لحيته بقوة حتى تركوه مدمى الوجه منتوف اللحية، وعندئذ همس الشيخ في أذن الإمام: هل ستتوقف عن قول الأكاذيب على الله ورسوله؟ أم تريد عقابًا أكثر؟