الصفحة 74 من 79

أن الوسطية من الناحية اللغوية مصدر صناعي من الوسط وهو العدل الخيار، قال في القاموس: (( الوسط محركة من كل شيء أعدله ) )، وقال في النهاية: (( يقال هو من أوسط قومه أي من خيارهم ) )، ومنه قول الصديق رضي الله عنه يوم السقيفة عن قريش: (هم أوسط العرب نسبًا ودارًا) (4) .

وعلى هذا المعنى اللغوي ينبغي أن تُفسر وسطية الإسلام، وبهذا التفسير جاءت السنة المطهرة، ففي الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجيء نوح وأمته، فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول نعم أي رب. فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا ما جاءنا من نبي. فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. فنشهد أنه قد بلَّغ، وهو قوله جل ذكره {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس} والوسط العدل) (5) .

والشاهد من ذلك قوله (والوسط العدل) ، وقد بين الحافظ في الفتح أن قوله (والوسط العدل) من كلام النبي: صلى الله عليه وسلم، وليس مدرجًا كما توهم البعض (6) .

وأيضًا فهذا التفسير هو المتسق مع كون هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، قال الشنقيطي في تفسير قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا} : (( أي خيارًا عدولًا، ويدل لأن الوسط الخيار العدول قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ... ) ) (7) .

ثم إن تفسير الوسطية بالعدالة والخيرية هو المتفق مع مرتبة الشهادة التي نالتها هذه الأمة، فالشاهد لابد أن يكون عدلًا، وفي فتح الباري: (( وشرط قبول الشهادة العدالة، وقد ثبتت لهم هذه الصفة بقوله وسطًا والوسط العدل ) ) (8) .

وهذا التفسير مروي عن جمع غفير من السلف منهم ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم. (9)

وقد قال الطبري رحمه الله: (( فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا عدولًا لتكونوا شهداء لأنبيائي ورسلي على أممهم بالبلاغ ... ) ) (10) .

وقال الحافظ ابن كثير: (( والوسط ههنا الخيار والأجود كما يقال قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا أي خيرها، وكان رسول الله وسطًا في قومه، أي أشرفهم نسبًا ) ) (11) ، ثم استدل رحمه الله بحديث أبي سعيد السابق.

(4) أخرجه البخاري (6830) .

(5) أخرجه البخاري (3339) ، (4487) ، (7349) والترمذي (2961) وابن ماجه (4284) وأحمد (3/ 58) وقد أخرج الحديث مختصرًا مقتصرًا على موضع الشاهد أحمد (3/ 9،32) ، والطبري في التفسير (2165) ، (2166) ، (2167) .

(6) فتح الباري (8/ 172) .

(7) أضواء البيان (1/ 75) .

(8) فتح الباري (13/ 316) .

(9) انظر تفسير الطبري (3/ 144 - 145) .

(10) المصدر السابق (3/ 145) .

(11) تفسير القرآن العظيم (1/ 191) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت