وعلى كل حال فهذه شنشنة نعرفها من أخزم كما يقول المثل العربي، غير أن المشكلة هنا تكمن في تأثر بعض الدعاة بهذا الإرهاب الفكري، حتى صارت كلمات بعضهم أقل حسمًا ووضوحًا في الحكم على ما يخالف شرع الله، وصرنا نرى البعض يردد بمناسبة وبغير مناسبة أنه ليس من أهل التفكير ولا علاقة له بمن يسمونهم بالمتطرفين.
والحق أننا نعلم جيدًا ما جاء في وعيد من كفَّر مسلمًا بغير حق، غير أنه لا يصح أبدًا أن تمنعنا شناعة المشنعين من إطلاق الحكم بالكفر على كل ما دلت النصوص الشرعية على أنه كفر.
وإنه لا ينبغي أن نعبأ كثيرًا بأساليب التشنيع والإرهاب الفكري التي يلجأ إليها أولئك العلمانيون، فهم ما بين معاند وجاهل لا يعرف من أمر الدين شيئًا.
وعلى سبيل المثال فقد دار بالقاهرة منذ سنوات حوار بين الإسلام والعلمانية في مقر جمعية تسمى جمعية نهضة المرأة العربية، حيث ألقت الكاتبة صافيناز كاظم محاضرة عن الحجاب ووجوبه وأهميته وما تتعرض له المرأة المسلمة من مؤامرات، فانبرى لها جماعة من أولئك العلمانيين يردون عليها فانظر ماذا قالوا؟
قال أحدهم: (( إن العلمانية المصرية لها خصوصية تخالف بها غيرها؛ فإن الدستور المصري ينص على أن رئيس الدولة يجب أن يكون مسلمًا ) )، ولقد كذب والله في ما قال؛ فإن كان صادقًا فليقل لنا في أي مادة من مواد الدستور يوجد هذا النص؟
وقالت إحداهن في معرض دفاعها عن العلمانيين: إنهم - أي العلمانيين - يتحدثون العربية جيدًا، ويقولون عن السيارة (عربية) وليس (أوتومبيل) . وهذا باطل تغني حكايته عن تكلف الرد عليه، لكني أشير فقط إلى أن هذه المتحدثة لفرط جهلها لا تعلم أن إطلاق كلمة (عربية) على السيارة ليس عربيًا؛ لأن الكلمة مأخوذة من التركية وأصلها (عربة) ، فلما نُقلت إلى اللهجة المصرية حُرِّفت إلى (عربية) .
أما فرج فودة فقد قام يعطي الحاضرين محاضرة في الفرق بين الحلال والواجب، فجاء بكلام يجافي العقل والمنطق، فضلًا عن مخالفته لما أجمعت عليه الأمة وبينه علماء الأصول، ذلك أنه يفرق بين الحلال والواجب فيقول إن الشيء قد يكون حلالًا بمعنى أنه قد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه لا يكون واجبًا إذا كانت ظروف عصرنا لا تقبله، ويضرب على ذلك أمثلة منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر العُرنيين بشرب ألبان الإبل وأبوالها، وعليه فذلك حلال لكنه ليس بواجب، ثم يتساءل في سخرية ووقاحة: (( هل كون ذلك حلالًا يجعل واحدًا يأتي في شارع سليمان وينشيء محلًا للعصير ويقول بول البعير شِفا وخمير؟ ) ).
وهذه وقاحة منقطعة النظير، لا يجدي مع أمثال صاحبها حوار ولا نقاش، وإنما ذكرناها وما قبلها لنبين للقاريء مدى ما وصل أمر العداء لشرع الله لدى قوم يزعمون الإسلام، وتقوم قيامتهم إذا تجرأ بعض أهل العلم فقال لهم إن ما تقولونه يخالف عقيدة الإسلام.
ولذا فالواجب على دعاة الإسلام أن لا يلقوا بالًا لأمثال هؤلاء القوم وأن لا يحملهم ضغط الواقع وضعف المسلمين على مسايرة دعاوى العلمانيين، فإننا لو سرنا وراء ما يدَّعون لأوشكنا أن نخالف ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(1) شرح الطحاوية ص: 70 - 71.
(2) المصدر السابق ص: 20.
(3) المصدر السابق ص:261.
(4) انظر مدارج السالكين لابن القيم: (2/ 359) .