الصفحة 37 من 79

وتتجلى هذه الحقيقة في أمور كثيرة يمكن إجمالها فيما يلي:

أولًا: عدم التكليف بما لا يطاق:

فإن الله عز وجل - رحمة بعباده - لم يكلفهم إلا بما يطيقون، كما قال تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} (البقرة: 286) .

أي أنه تعالى لم يكلف عباده بأمر مستحيل، سواء كانت استحالته عقلًا أو عادة: فالمستحيل العقلي هو ما لا يتصور العقل وجوده كالجمع بين الضدين، والمستحيل العادي هو ما يتصور العقل وجوده ولكن ما جرت سنن الكون بوجوده كطيران الإنسان في الهواء من غير آلة ونحو ذلك.

ثانيًا: نسخ الأحكام الشاقة التي كانت على الأمم السابقة:

فلئن كان عدم التكليف بما لا يطاق عامًا في الشرائع كلها فقد اختص الله هذه الأمة بأن رفع عنها التكاليف الشاقة التي كانت على الأمم قبلها، استجابة لما أرشد الله المؤمنين أن يدعوا به فيقولوا: {ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا} (البقرة: 286) .

وقد ثبت أن الله تعالى قال في جواب هذا الدعاء: (قد فعلت) (3) .

ومن أوضح الأمثلة على ذلك (( أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم ) ) (4) ، ومن أمثلة ذلك أيضًا التكليف بقرض موضع النجاسة من الثوب وعدم جواز الصلاة في غير المساجد فقد نسخ ذلك في شريعتنا.

ثالثًا: المشقة تجلب التيسير:

فإنه وإن كانت الشريعة الإسلامية هي شريعة اليسر على وجه العموم، فإن هناك حالات خاصة نظرت إليها الشريعة نظرة تخفيف أكثر من ذلك اليسر العام، ومن أهم القواعد المتعلقة بذلك كون المشقة تجلب التيسير.

ومن فروع هذه القاعدة الرخص التي شرعها الله تخفيفًا على المكلف لسبب من الأسباب المقتضية لذلك كمشروعية الفطر للمسافر والمريض ومشروعية التيمم لفاقد الماء والعاجز عن استعماله.

ومن فروعها أيضًا العفو عما عمت به البلوى فلا يمكن التحرز عنه مما هو محرم أصلًا، وذلك مثل العفو عن نجاسة طين الشوارع وغيره مما لا يمكن الاحتراز عنه.

رابعًا: الضرورات تبيح المحظورات:

ومن أمثلة ذلك جواز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه على ذلك كما في قوله تعالى: { ... إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} (النحل: 106) ، ومن أمثلته أيضًا مشروعية أكل المحرمات عند الاضطرار إليها كما في قوله تعالى: { ... فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} (البقرة 173) .

خامسًا: النهي عن التشدد والغلو في الدين:

ومما ورد في هذا الباب ما قدمناه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) ، وحديث الثلاثة الذين سألوا عن عبادته صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها فقال أحدهم: (أما أنا فأنا أصلي الليل أبدًا) ، وقال آخر: (أنا أصوم الدهر ولا أفطر) ، وقال آخر: (أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا) ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) (5) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ترخص فيه وتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية) (6) .

(3) أخرجه مسلم (126) والترمذي (2992) والحاكم (2/ 286) والنسائي في الكبرى (11059) والبيهقي في الأسماء والصفات (1/ 237 - 238) وأبو عوانة في مسنده (1/ 75) من حديث ابن عباس.

(4) فتح الباري (1/ 93) .

(5) أخرجه البخاري (2494) ، (5063) ومسلم (1401) والنسائي (6/ 60) وأحمد (3/ 241، 259،285) من حديث أنس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت