الصفحة 31 من 89

وما هذه الأحداث إلاّ لقطات من قصة الصراع الممتد امتداد الحياة البشرية، وما هذه المشاهد إلاّ بعض من الصور التي تتجسد فيها سنة الإهلاك التي تطال القوى الكافرة على امتداد التاريخ، وما ينبغي أن تنحصر أذهاننا في هذه الصور التي نص عليها القرآن، فإنها مجرد أمثلة تستهدف تقرير السنة وتعميقها في وعي القارئ، لتصبح حاضرة بشكل يساعد على امتلاك أدوات القراءة الصحيحة لحركة الحياة.

وعندما نقول إن إهلاك القوى الكافرة سنة قدرية فإن هذا يعني أنها قانون ثابت، وقاعدة مطردة، لا تتبدل بتبدل الزمان والمكان، ولا تتغير بتغير الأشخاص والوجوه، بل هي ماضية على امتداد الزمان والمكان، وقائمة رغم اختلاف الأشخاص والوجوه، وكما وجدت في زمن نوح وهود فإنها موجودة في زمننا هذا، وسوف تكون موجودة في المستقبل، وإذا كانت عجلة التاريخ تتحرك والإشخاص تتغير والمعطيات الجزئية تتبدل، فإن سنة الله هي هي، قائمة ماضية لا تتبدل ولا تتغير {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح:23] .

فإهلاك القوى الكافرة - إذن - حقيقة من حقائق الحياة، وسنة من سننها، خلافا لما قد يظنه البعض من أنها ليست إلاّ فكرة"غيبية"تستمد وجودها من نظرة"مثالية"لا تستند إلى دليل الواقع، فإن عليها من الأدلة الميدانية في عالم المشاهدة ما لا يدع مجالا للشك أو الجدال ..

وهذه شواهد التاريخ مبثوتة أمام الجميع، والقرآن يدعو بصراحة إلى قراءتها والتأمل فيها، {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْل} [الروم:42] .

وكما انطبقت سنة الإهلاك على القوى الكافرة من الأمم السابقة ولم يفلت منها أحد، فإنها سوف تنطبق على القوى الكافرة في واقعنا المعاصر ولن يفلت منها أحد، أي أنه كما أُهلكت دولة"ثمود"ودولة"عاد"ودولة"مدين"وغيرها، سوف تُهلك - ولاشك - دولة أمريكا ودولة اليهود، بل وكل الدول الكافرة ومعها كل فراعنة الزمان وطواغيت العصر، مهما أتيحت لهم من أسباب القوة ومقومات القدرة .. لأنها السنن، تجري على الجميع، وتطبق على الكل، وليس هناك مجال للمعايير المزدوجة، قال تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر:43] !!

ويظهر من خلال النصوص التي عالجت الموضوع أن العلة الأساسية لجريان سنة الله بإهلاك القوى الكافرة هي تلبسهم بذنب الكفر، قال تعالى: {ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [فاطر:26] ، إذ من المعلوم أن العلاقة بين ذنب الكفر وسنة إهلاك القوى الكافرة تندرج تحت الحقيقة الكبيرة التي تعد ركيزة في التصور الإسلامي، وهي حقيقة التلازم بين العمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت