الصفحة 3 من 89

وما النصر إلاّ من عند الله

الكاتب: سيف الدين الأنصاري

لقد كانت الأحداث التي صاحبت معركة"أحد"دليلا عمليا على أن سنة الله في النصر والهزيمة ليست بتلك البساطة التي قد يظنها البعض، والتي غالبا ما تختزل المسألة في استحقاق النصر الإلهي لمجرد الانتماء الإسلامي. فهذا غبش في التصور يجب أن يصحح، وسذاجة في الفكر يجب أن تعالج. لأن الله - سبحانه - إنما خلق الحياة مضبوطة بنظام سنني لتترتب فيه النتائج تبعا لمقدماتها المناسبة، مما يعني أن يكون النصر مرتبطا بتوافر مقتضياته في النفوس المجاهدة وفي البناء التنظيمي وفي التحرك الميداني، فيكون نتيجة معقولة للأخذ بكل المستطاع من الأسباب التي يتيحها الواقع، كما أوضحنا ذلك في المقالات السابقة.

ولكن حتى لا يجنح البعض إلى"التطرف"فيعظم الأسباب أكثر مما تستحق أو يتجاوز بها إطارها المحدد، فإننا نثير في هذا المقال الدرس المستفاد من معركة"حنين". وهي المعركة التي كانت فيها أدوات النصر متوفرة - بشكل جيد - للجماعة المسلمة ورغم ذلك لم يتحقق النصر، {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة:25] ، وكادت أن تُختتم المعركة بالهزيمة لولا أن الله تدخل لإنقاذ الموقف، {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة:26] . مما يعني خطأ وخطورةَ تلك النظرة التي تتعلق قلبيا بعالم الأسباب أو تتعامل معها وكأنها فاعلة بذاتها في تحديد نتيجة المعركة.

فمع الإقرار بأهمية الأدوات والآليات ومع التشديد على ضرورة وجودها لبلوغ النصر فإن القرآن لا يدع المسلمين يفهمون أن هناك سببًا ينشئ النتيجة بذاته، أبدًا، إنما يرد الأمر كله إلى الله، ليستقر في الأعماق الفكرية والنفسية للمسلم أن الله هو الناصر وليس الأدوات والآليات، مهما كانت كثيرة ومتوافرة، فالله هو الذي أذن للأسباب التي أُعمِلت أن تؤثر وأذن للنتائج أن تترتب عليها، والله هو الذي خذل الكافرين وأضعف تأثير أعمالهم وأفشل تدبيرهم، {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [الأنفال:18] ، والله هو الذي أيّد المسلمين وساعدهم على بلوغ الهدف، إما في صورة تسديدٍ للعمل وتوجيهه نحو استجماع عناصر الفعالية، وإما في صورة إرسال الجند الأخفياء الذين يدخلون الحرب إلى جانب المسلمين، وإما بهما معًا، {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال:9] .

بل - وحرصا على الصفاء العقدي - ينبه اللهُ على أن هذا المدد الذي أيدهم به ما هو إلاّ وسيلة للاستبشار والاطمئنان إلى وعده، {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} [آل عمران:126] ، أما النصر فإنما يرجع إلى إرادته، وإلى قدره وحده، وليس إلى شيء سواه، {وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران:126] . كل ذلك لكي لا يظن المسلم أن الأسباب فاعلة بذاتها، فيتعلق قلبه بعالم الأسباب عوض التعلق بالله، ويَضمُر استشعاره لطلاقة القدرة الربانية وفاعليتها الكاملة في الكون، مما يؤثر على حقيقة تدينه من جهة، ويفقده النظرة الصحيحة للقوانين التي تحكم حركة الحياة من جهة أخرى.

{وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، عقيدة تعلمنا أن لا نطلب النصر إلاّ من الله، لأنها تزرع فينا روح التحرر من ربقة الانهزام التي تعلق قلوبنا بالخلق، ومن تم تدفعنا إلى الاستعلاء عن الارتهان لهذه القوة أو تلك، لأن حالة الارتهان ترسخ واقع الضعف وتجعلنا ألعوبة في يد الآخرين، في حين أننا أمة أخرجت بعناية ربانية لتقود لا لتكون تابعا ذليلا يدور في فلك الغير، مهما كان هذا الغير، فما بالك إذا كان عدوا. إذن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت