الصفحة 4 من 89

فإن يكن من أحد يجب أن نتوجه إليه لاستجلاب النصر فهو الله، قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران:160] .

كما أن عقيدة {وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، تحررنا من ربقة النظرة السطحية للحياة، النظرة التي تتعامل مع القوانين الكونية وكأنها مستقلة عن إرادة الله، أو تصورها وكأنها فاعلة بذاتها لا بإذن الله، فيقع القلب في حبائل الأدوات المحدودة، ويحال بينه وبين الفاعل الحقيقي وهو الله. فرغم أن الكثرة - مثلا - مؤثرة في النتيجة التي يمكن أن تسفر عنها المعركة، لأن الجانب العددي له حضوره الكبير في مفهوم القوة، إلاّ أنه من الخطأ الفادح بل من الشرك بالله أن نصل إلى الحد الذي نركن معه إلى الكثرة أو نتصور وكأنها فاعلة بذاتها في تحديد النتيجة.

يجب أن يستيقن المسلمون أنهم - مهما كانت عدتهم - إنما ينصرون بنصر الله لهم، لأنهم مهما اتخذوا من الأسباب فإنها تبقى - في حقيقة الأمر - قاصرة عن الإحاطة بكل العوامل المؤثرة في تحقق النتيجة، قال تعالى: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} [الفتح:21] ، ومن تم لابد أن يرد الأمر كله إلى مشيئة الله، ولابد أن يتعلق القلب بإرادة الله، فهي التي عنها تصدر الأشياء والأحداث، {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال:17] .

هذه هي الحقيقة التي حرص القرآن الكريم على تقريرها في التصور الإسلامي، وعلى ترسيخها في أعماق النفس المسلمة، واعتنى كثيرا ببقائها نقية صافية من كل شائبة .. لتبقى الصلة بين العبد والرب مباشرة، بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائط، وإنما ترد الأمور كلها إلى إرادة الله، بحيث تنحى من قاعدة التصور والإحساس فاعلية الأسباب بذاتها، ويرد الأمر كله إلى مشيئة الله، {إِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ} [هود:123] .

ومن شأن هذه الحقيقة حين تستقر في التصور وفي النفوس أن تسكب في القلب الطمأنينة، وأن تولد عند المسلم الاستقرار النفسي، بحيث يسكن (من السكينة) اتجاه الفواعل والأسباب الظاهرة لأنه يستقين أنها لا تؤثر إلاّ بإذن الله، ومن تم يتعامل معها على أنها أدوات وآليات توظف وليس آلهة تعبد، وأن النصر إنما يكون من الله.

لكن، من المهم جدا أن نعلم كذلك أن الإيمان بهذه الحقيقة لا يعني - بأي حال من الأحوال - الدعوة إلى ترك الأسباب، ولا يعفي المسلمين - بأي شكل من الأشكال - من اتخاذ الوسائل الكفيلة بتحقيق النصر، أولًا لأن الأخذ بالأسباب تكليف رباني، به نحقق مفهوم العبادة لله، وبه نجسد معنى التدين في ميدان الحركة، ومنها حركتنا نحو النصر. وثانيًا لأن هذه الأسباب تعد بمثابة المقدمات الضرورية لاستحقاق نزول النصر من الله، وكأنها"شروط"في وجوده. مما يعني أن انتظار النصر الإلهي مع إهمال الأخذ بالمتاح منها لا يعدو أن يكون تواكلا صوفيا لا يستحق أهله إلاّ الهزيمة!!

إن التصور الإسلامي يتسم بالتوازن الكامل بين تقرير الفاعلية المطلقة لقدر الله وتحقق هذا القدر في الحياة من خلال الفعل الإنساني .. نعم سنة الله تجري بترتيب النتائج على مقدماتها المناسبة، وهذا ما ندعو - باستمرار - إلى استحضاره وملاحظته وإعماله، ولكن الأسباب ليست هي التي"تنشئ"النتائج. أو بعبارة أخرى ليست فاعلة بذاتها، فالفاعل المؤثر هو الله، هو الذي يرتب النتائج على الأسباب بإرادته .. ومن تم فإن المطلوب من الإنسان هو أن يؤدي واجبه، بحيث يبذل جهده في الأخذ بالأسباب استجابة للأمر الشرعي، فبقدْر ما يوفي بذلك يرتب الله النتائج على مقدماتها .. لأنه هو وحده الذي يأذن لها بالوجود حين يشاء، وكيفما يشاء .. هكذا يتحقق التوازن بين تصور المسلم وعمله، فهو يعمل ويبذل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت