بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم؛ سيف الدين الأنصاري
بعيدا عن أعراف العقيدة"الإنسانية"التي تعتبر إهلاك الدول الكافرة حالة مأساوية تتطلب منا نوعا من المشاركة الوجدانية، وتستدعي جوا من الحزن على الخسارة التي تطال الحضارة البشرية، بعيدا عن هذه النظرة التي تأله الإنسان ولا تفرق بين المؤمن والكافر، أريد أن أؤكد على أن إهلاك الكافرين حقيقة لا تقبل الجدال ولا المماحكة، وأنها سنة قدرية قائمة على امتداد الزمان.
لكن تجدر الإشارة إلى أن الإهلاك القدري الذي يأتي في شكل استئصال كامل للأمم الكافرة قد توقف بعد نزول التوراة، أي منذ زمن موسى عليه السلام.
قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى} [القصص:43] ، قال ابن كثير: (بعد أن أنزل الله التوراة لم يهلك أمة بعامة) [التفسير:3/ 246] .
طبعا سنة الإهلاك لا تزال قائمة ومستمرة، تماما كما كانت قبل نزول التوارة، والذي تعدل هو أنها لم تعد تتجسد في شكلٍ استئصالي يعم جميع أفراد الأمة الكافرة، وإنما صارت تتجسد في شكل عذاب يمحق الله به الكافرين، إما بإزالة دولتهم وإما بما هو دونه، ولكن على العموم لا يمحيهم جميعا من الوجود.
وكما قلنا سابقا فإن القرآن عندما يضع هذا العذاب في إطار العلاقة الوطيدة بين الجزاء والعمل، وأن سوء الأعمال يقابله سوء المآل، ليس في الآخرة فحسب، كما يتصور كثير من الناس، وإنما في الدنيا قبل الآخرة، {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ} [الرعد:34] ، عندما يفعل هذا ويركز عليه، يريد أن يرسخ تلك الحقيقة القدرية القاضية بإهلاك الكافرين، وأن يعمقها في وعي الجماعة المسلمة لتستعين بها في قراءتها للأحداث، ولتفتح لها نوافذ الأمل المبني على اليقين بحتمية زوال دولة العدو.
لكن من الملاحظ أن الإيمان بهذه الحقيقة قد تحول عند البعض إلى عقاقير مُسكِّنة، لا يؤدي تناولها إلاّ إلى حالة من"التنفيس"وجو لاستلهام الأفكار التواكلية، إذ في الوقت الذي يباشر فيه العدو عملية الاستعمار والدمار، ويجتهد في امتلاك أدواة القوة وآليات التنفيذ،