الصفحة 60 من 89

نجد البعض قد انشغل عن المواجهة والدخول إلى معترك الصراع بالحديث عن تراكم عوامل السقوط الحضاري في المجتمعات الغربية، ليخرج من خلال دراسات طويلة ومتكررة إلى نتيجة صحيحة ولكنها تطرح بطريقة مخدِّرة، توحي للمسلم بالإعفاء من المسؤولية تحت دعوى أن الله قد تكفل بإهلاك الكافرين.

لا أريد أن أقلل من شأن الدراسة العلمية لعوامل السقوط الحضاري، إذ من المعلوم أن لها فوائد كثيرة، أقلها أخذ العبرة لتفعيل سبل الوقاية والتدارك، ولكني أريد أن أشير إلى خطورة القراءة الصوفية للحقائق القدرية، لأنها تخرج المسلم عن دائرة الاستجابة للشرع، وتحوّله إلى شخصية سلبية، لا تتحرك لإحقاق الحق ولا لدفع الباطل، وإنما تعيش في أجواء حالة من الانتظار السلبي تُغلف - دائما - بدعوى الاطمئنان إلى قدر الله!!

عندما أخبرنا الله بحتمية إهلاك الكافرين لم يجعلها من المفاهيم الضبابية المطروحة بشكل مبهم وإنما أوضح أنها تتحق بأحد أمرين: إما أن تكون بفعل الله مباشرة، فتقع بأمر قدري من عنده، وإما أن تكون بفعل الجماعة المسلمة فتكون استجابتها للأمر الشرعي أداة لتحقيق السنة القدرية، {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} [التوبة:52] .

نعم قد تزول دولة الكفر بأسباب قدرية خالصة، ولكن هذا الزوال لن يقابله مجيء الدولة الإسلامية، أبدا، بل ستزول في هذه الحالة لصالح دولة كافرة مثلها أو أسوأ، ربما لأن الثانية أعدل، أو ربما لشيء آخر .. لا يهم الآن، المهم أنه إذا أزيلت الدولة الكافرة بعوامل قدرية فلن يكون البديل هو دولة إسلامية، لأن الدولة الإسلامية مرادة لله شرعا، ولذلك لن تكون إلاّ بفعل الجماعة المسلمة.

ولهذا فإن عقيدة"دولة الكفر زائلة لا محالة"تفتح لنا نوافذ الأمل، وتضع لنا الهدف في دائرة الممكن، ولكنها لا تزيل لنا دولة الكفر، بل ولا تؤثر فيها!! فهي مجرد عقيدة، إذا لم يصاحبها {بِأَيْدِيكُمْ} تظل أفكارا رائعة تتحرك في الأجواء النظرية، وأحلاما جميلة تثير المشاعر الوجدانية، ولكننا عندما نستيقظ سوف نجد أن دولة الكفر لا زالت قائمة.

إن الباطل لا يُزهَق لصالح الحق إلاّ عندما يتحرك الحق، فيأتي {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء:81] ، بل ولابد أن تكون هذه الحركة ممتلكة لكل الممكن من عناصر القوة، بحيث تشبه القذيفة في قدرتها على التأثير وفي سرعتها نحو الهدف، عندها يُزهِق الحقُ الباطلَ، {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق} [الأنبياء:18] ، أي أنه لابد لإزهاق الباطل من السعي لامتلاك القوة التي تدخلنا في دائرة الفاعلية، أما الاستغراق في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت