بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم؛ سيف الدين الأنصاري
سبقت الإشارة إلى أن الله قد جعل إهلاك الكافرين من بين الحكم المبثوتة في سنة المداولة، قال تعالى: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:141] ، وأن هذه الحكمة قد صارت - وفق قانون التلازم - سنة من السنن التي تضبط حركة الحياة، وخاصة جانب الصراع منها.
ويكثر في القرآن الكريم الحديث عن هذه السنة، بل إنه ليصل إلى الحد الذي يشعرك أنك أمام حقيقة ذات أهمية بالغة، فيعرض الأمثلة، ويعدد الصور، وينوع المشاهد، ويعيد الأحداث، وفي كل مرة تجده يلفت نظرك إلى أنه رغم اختلاف الأشخاص والوجوه بين هذه الأمثلة، ورغم اختلاف الزمان والمكان بين هذه الأحداث، فإن هناك شيئا واحدا يجمعها وخيطا واحدا ينظمها هو سنة الله التي قضت بـ {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:141] .
ويحرص القرآن على إبراز هذه السنة من خلال تناوله لحركة الأنبياء في صراعهم مع القوى الكافرة، وكيف أن النهاية كانت دائما بإهلاكها، فيقول في قوم نوح: {وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [المؤمنون:27] ، وفي"عاد"قوم هود: {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [الأعراف:72] ، وفي"ثمود"قوم صالح: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود:68] ، وفي قوم لوط: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف:84] ، وفي"مدين"قوم شعيب: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف:91] ، وفي فرعون: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُون} [الأعراف:137] .
وهكذا يعرض القرآن مصارع القوى الكافرة على امتداد التاريخ، فمنهم من أغرق في لجة الطوفان الغامر، ومنهم من أُخذ بالعاصفة المدمرة، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خُسفت به وبداره الأرض، ومنهم من دمرت بناياته ومؤسساته، ومنهم غير ذلك، مما لا يعلمه على وجه التحديد إلاّ الله. وبعض هذه المصارع لاتزال آثارها شاهدة كبقايا"عاد"و"ثمود"، وبعضها انطمست آثارها لأنها أخذت الضربة القاسية فكانت كالزرع المحصود كما هو الحال في شأن قوم نوح وقوم لوط، قال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} [هود:100] .