الصفحة 10 من 89

الكاتب: أبو سعد العاملي

الحمد لله القائل {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت: 30) ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن مفهوم الإيمان في ديننا أشمل وأوسع مما هو شائع لدى عامة المسلمين بل حتى لدى بعض خاصتهم، حيث أنه يشتمل على جانب نظري اعتقادي وجانب عملي تطبيقي، فهو مفهوم السلف الصالح: قول وعمل واعتقاد، يزيد وينقص، فزيادته ونقصانه مرتبطان بالعمل مباشرة (يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي) ، فلا معنى لإيمان بلا عمل كما أنه لا معنى ولا قيمة لعمل بلا إخلاص ومتابعة.

ولقد جاء في القرآن الكريم ذم للفئة التي تحصر الإيمان في مجرد القول دون العمل، وذلك في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} (الصف: 3) ، ولا شك أن الله تعالى يطلب من المؤمن أن يبرهن على صحة إيمانه في هذه الدنيا التي تعتبر مرحلة امتحان واختبار لهذا الانتماء، وتصديق لهذا الادعاء أو تكذيبه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} (الملك: 2) ، {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الكهف: 7) ، فلا يكفي أن يدَّعي المرء الإيمان بمجرد القول أو الاعتقاد، لأن هذه عقيدة فاسدة جرَّت على الأمة الكثير من المصائب، وتسببت في تمكن الأعداء من رقاب العباد وخيراتهم، وذلك حينما اكتفوا بإيمان أعزل تواكلي لا يعطي للجانب العملي أي قيمة تذكر.

إنها عقيدة الإرجاء في مسمى الإيمان، وتلك هي بعض نتائجها الوخيمة على الأمة، حتى صار الناس لا يستطيعون التمييز بين الكافر الأصلي وبين المرتد، بل لقد حكموا بإسلام هذا الأخير لمجرد أنه ادعى أنه مسلم بلسانه حتى وإن ناقض هذا الإسلام بعمله، بل لقد بايعوا هؤلاء الحكام المرتدين ومكنوهم من الحكم وتحولوا إلى أنصار لهم يدافعون عنهم ويصبغون عليهم الشرعية، فهدموا بذلك عقيدة السلف في مسمى الحكم، وذهبوا إلى أبعد من هذا، حينما نادوا إلى ما أسموه"حوار الأديان"، واعتبار الكفار الأصليين مؤمنين، كونهم أهل كتاب، فأسقطوا بهذا عقيدة الولاء والبراء، وشوهوا مفهوم الجهاد حينما حصروه في مجرد جهاد الدفع، وسموا جهاد الطلب بالإرهاب وتبرءوا منه ومن كل المجاهدين.

أما الإيمان المقبول عندهم فهو الانصياع لأولي الأمر، والسعي إلى المشاركة في العمل السياسي لإصلاح النفوس ودعوتها إلى مكارم الأخلاق والكف عن التدخل في شؤون الناس - كل الناس - سواء كانوا ظالمين أو مظلومين، عصاة أو طائعين، مصلحين أو مفسدين، فشعارهم هو الحديث الشريف - الذي فهموه بالمقلوب-:"من حسن إسلام المرء (وفي رواية: من حسن إيمان المرء) تركه ما لا يعنيه".

إن الإيمان الذي ندعو الناس إليه هو الانصياع لله عز وجل وللحق الذي أنزله، دون محاباة أو خشية أحد، وهو الإيمان الذي يدعو صاحبه إلى ترك ما يتناقض مع مبادئه وهجر كل المعوقات التي تقف في طريق انتمائه للدين الجديد، والزهد في كل شيء مهما ثقل وزنه وعلا شأنه في دنيا الناس.

إيمان يدعو صاحبه إلى التضحية والصبر والمصابرة، وإلى مواجهة المخالفين ومجابهتهم والانتصار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت