الصفحة 6 من 89

الكاتب: سيف الدين الأنصاري

كما هو معلوم فإن الغرض من القصص القرآني هو أخذ العبرة واستخراج الفوائد المدخرة في التجربة المعروضة، أولًا لأنها أحداث ميدانية، مما يضفي على الفكرة التي تحملها صفة الاقتراب الكبير من الإمكان والواقعية، وثانيًا لأنها أحداث منتقاة بعناية ربانية، مما يعطيها قيمة خاصة وغير عادية، فوقوع الاختيار الإلهي عليها من بين أحداث حركة الحياة كلِّها يشير إلى أنها تحمل معاني كبيرة ودلالات عظيمة، كما يشير إلى أن هذه المعاني والدلالات لها وزنها الثقيل في تشكيل التصور الإسلامي لحركة الحياة، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ} [يوسف:111] ، الأمر الذي يستدعي منا أن نعطي للقصص القرآني حظه من النظر والتأمل، وأن نرتفع به عن كونه مجرد سرد روائي لحكايات قديمة، لأن حقيقة الأمر في القصص القرآني هي أنه تذكير بأحداث تاريخية يهدف إلى التوعية بالمعاني الثابتة والدائمة والتي تعد بمثابة السنن الضابطة لحركة الحياة.

وقصة ذي القرنين التي حكاها لنا القرآن الكريم في سورة الكهف واحدة من القصص القرآني الذي يهدف إلى لفت الانتباه إلى تلك السنن، فهي قصة مليئة بالعبر التي تقدم فوائد جمة إلى الجماعة المسلمة، خاصة فيما يتعلق بمجال حركة الصراع، قال تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف:83 - 85] ، قال القرطبي: (أي اتبع سببا من الأسباب التي أوتيها) [التفسير:11/ 48] ، والسبب في الآية هو الطريق الذي يمْكن أن يوصله إلى فتح مغرب الأرض الذي كان هدفا في تحركه الجهادي، أي أن ذا القرنين تحرك في اتجاه تفعيل دور المقدمات التي بين يديه من أجل الوصول إلى النتائج المرغوبة، وهذا هو الذي نسميه مبدأ الأخذ بالأسباب، {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} .

قد يبدو للبعض - من خلال النظرة الأولى - أن هذا المبدأ معروف ومتفق عليه، وأن الذين يخالفون في هذا المبدأ هم حفنة من المتصوفة المنعزلين عن الحياة، والذين لم يبق لهم أيُّ وجود يذكر إلاّ في بعض الزوايا النائية، أو هم - في أحسن أحوالهم - أرقام محدودة غير قادرة على التأثير في الساحة، مما يعني أن جل الأمة الإسلامية مع مبدأ الأخذ بالأسباب، ولذلك لا داعي للتركيز على هذا الموضوع لأن الأزمة الحقيقة في الوقت الراهن - وفي ظل طغيان الفكر المادي - هي أزمة توكلٍ على الله وليست أزمةَ أخذٍ بالأسباب.

والحقيقة أن الأمر كذلك إذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية ضيقة، وهي زاوية الأهداف التي لا تخرج عن إطار المصالح الدنيوية، فأنت لست في حاجة إلى الحض على مبدأ الأخذ بالأسباب ولا حتى إلى التذكير به إذا كان الموضوع متعلقا بالوظيفة أو الشقة أو السيارة .. إلخ، لأن هناك قوة دفع ذاتي تجعل الناس يأخذون بكل الأسباب المتاحة المؤدية إلى هذا النوع من الأهداف، بل قد يصل الأمر إلى الحد الذي تُتجاوز معه الضوابط الشرعية في سبيل الوصول إلى النتائج المرغوبة، إذن أمام هذه الحالة لا نحتاج إلى الكلام عن الأخذ بالأسباب بقدر ما نحن بحاجة إلى ترشيد المؤمنين وتوجيههم إلى ضرورة التوكل على الله من خلال الاطمئنان إلى فاعلية قدره في الحياة.

لكن المشكلة تبرز عندما نكون بصدد الأهداف المطلوبة باعتبار الدافع الشرعي ابتداء، وخاصة تلك التي يتطلب الوصول إليها نوعا من الجهد والتضحية، كأن يكون الهدف - مثلا - هو رفع الظلم عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت