المسلمين، أو هو التمكين للدين، أو الرد على عدوان القوى المتغطرسة .. هنا تبرز المشكلة إلى السطح، لأن حب السلامة وإيثار مصلحة الذات على مصلحة الأمة سوف يدفع باتجاه إيقاف مبدأ الأخذ بالأسباب، فالأسباب هذه المرة مكلفة، وتحمل ثقل التضحية بكل أنواعها وألوانها، ولذلك غالبا ما يتم - في مثل هذه الحالات - استدعاء الأفكار والمفاهيم التواكلية لمعالجة الموضوع، في محاولةٍ إلى التخلص من تبعات التسليم بمبدأ الأخذ بالأسباب.
وقد تطرح هذه المحاولة بصيغة"قديمة"بحيث يتم التركيز على مجموعة من المعاني الغيبية - كالتباشير التي حملتها النصوص القرآنية والنبوية - لتُتخذ ذريعة إلى التملص من مسؤولية الأخذ بالأسباب التي تُوصل إلى النتائج، فكل الأهداف - عند هؤلاء - قد تكفل بتحقيقها المهدي المنتظر!! ولا داعي للأتعاب والمشاكل التي يستدعيها السير في خط التدافع مادام أن الله سوف يخرج رجلا يملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا، أي أن منهجية"التصوف الروحي"هذه تعتمد على إبراز دور إرادة الله في مقابل الحكم بالإعدام على إرادة البشر، ثم تتخذ من هذا المغالطة في المفاهيم العقدية حيلة تتهرب بها من التكاليف الشرعية.
أما الصيغة الجديدة التي تُطرح بها تلك المحاولة المشؤومة فهي الحديث عن النتائج بعيدا عن مقدماتها المناسبة، أي أن هذه المدرسة لا تنفي - من حيث التناول النظري - مبدأ الأخذ بالأسباب، ولا تلغي دور الإرادة البشرية في تحقق الأهداف، بل بالعكس تثبت ذلك وربما تدعو إليه، ولكنها عندما تأتي إلى الأهداف التي تتطلب التضحيات الكبيرة فإنها تضع للوصول إليها وسائل لا تصلح أن تكون أسبابا مباشرة في تحقق الأهداف، لا شرعا ولا كونا، فالبعض - مثلا - يرى أن الظلم والاعتداء المسلط على المسلمين إنما يرفع بالاجتهاد في الصبر على تلقي الضربات، إلى أن يصاب الآخر بعقدة الإحساس بالذنب فيكُف عن الظلم (خط اللاعنف مطلقا) !! والبعض الآخر يرى أن التمكين للدين وإقامة دولة الإسلام إنما يتحقق بنوافل الصلاة والصيام، وأنه على قدر ارتفاع الأداء في هذا الاتجاه يكون الاقتراب من لحظة الحسم (خط التربية بلا حدود) !! وهكذا، فهذه مجرد أمثلة لإبداعات مدرسة"التصوف الفكري"أثناء محاولة التهرب من التكاليف الشرعية، فعوض أن يُلغي مبدأ الأخذ بالأسباب - لأنه صوفية قديمة - تمنطق الحالة وتطرح بطريقة الشعوذة الفكرية، ثم يخضع الخليط لعملية تجميل معقدة تثبت لنا في النهاية أن هذه المواقف تعد - ما شاء الله!! - من تجليات الحكمة في التدين.
المهم، صوفية السبحة والورد والخلوة ليست هي المشكلة، رغم أننا لا نقرها على الابتداع في الدين، إذ منهم من لا يفهم من الصوفية إلاّ أنها وسيلة إلى التهذيب الخلقي والتعبئة الروحية، كما أن التاريخ قد حفظ لبعض الزوايا الصوفية مواقف بطولية في الدفاع عن ديار الإسلام. المشكلة هي صوفية النظرة إلى حركة الحياة، لأنها تؤدي إلى قتل وتعطيل إرادة المسلم، وتحوله إلى طاقة جامدة لا تتحرك في اتجاه التغيير الإسلامي، وحتى إذا تجاوز هذه العقبة ودخل إلى دائرة العمل فإنها تلاحقه بتفريغ جهوده في قنوات تائهة تمنعه من استثمار حركته في اتجاه الوصول إلى الهدف، لأن أهم الخصائص في صوفية النظرة إلى حركة الحياة أنها تفتقر إلى الرابط الذي يجمع - وفق نسق سنني - بين المقدمات والنتائج.
أمريكا وحلفاؤها يستهدفون حاضرنا ومستقبلنا، وهم جادون في طمس هوية هذه الأمة، وفي إحكام قبضتهم على خيراتها ومقدراتها لتجريدها من كل عناصر القوة التي تحفظ كيانها .. والبعض من المسلمين لازال إلى الآن يرى أن الرد الفعّال على هذه الهجمة الصليبية هو فتح حوار هادئ للتأثير على عقل صانع القرار في الإدارة الأمريكية، وحتى إذا لم ينفع بيانٌ واحد أو ندوة واحدة في التقريب بين وجهات النظر فلا بأس - يقصدون فلابد - من الاستمرار في الحوار الهادئ، لأنه هو السبيل الوحيد إلى تحقيق الأهداف، ولا داعي إلى تعجل النتائج لأن الاستعجال مذموم في الشرع الإسلامي!!