بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم؛ سيف الدين الأنصاري
من أهم ما يجب على الجماعة المسلمة اعتقاده هو أن صراعها مع الأعداء يخضع لنظام من السنن الإلهية التي لا تتبدل بتبدل الأشخاص والوجوه، ولا تتغير بتغير الزمان والمكان، وإنما هي ثابتة على امتداد حركة الإنسان في الحياة، قال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح:23] ، وكلما كانت الجماعة المسلمة أكثر استحضارا لهذه السنن - وعيا وممارسة - كانت أقرب إلى إدراك الصواب في رؤيتها التصورية ومواقفها العملية.
وقد سبقت الإشارة إلى أن من أهم هذه السنن سنة المداولة، وقلنا حينها إن الله تعالى قد بث في هذه السنة الكثير من الحكم، وأن من بين أهم هذه الحِكم تمييز الصف الإسلامي، أي التفريق بين المؤمنين والمنافقين، قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران:141] .
قال القرطبي: (معناه وإنما كانت هذه المداولة ليرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض) [التفسير:4/ 218] .
وطبعا فإن الله تعالى عليم بحال كل واحد داخل الصف الإسلامي، يعلم المؤمن منهم ويعلم المنافق، والتمييز بينهم بالنسبة إلى علمه الذي يحيط بالغيب حاصل منذ القدم، ولكنه سبحانه يريد أن يكون علمه بما هم عليه من الإيمان أو النفاق من باب علم الشهادة لا علم الغيب فقط، فتظهر الحقائق في عالم المشاهدة وتكون واقعا في حياة الناس، وذلك لكي تتحقق حكم الله في خلقه، ومنها حكمته في الجماعة المسلمة، والتي من أهمها أن يحصل التمييز بين المؤمنين والمنافقين في عالم الشهادة وليس في عالم الغيب فقط، قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179] ، فليس من مقتضى حكمته، ولا من فعل سنته أن يترك الصف الإسلامي (أنتم) مختلطا لا يعرف فيه المؤمن من المنافق، بحيث يتوارى فيه الأعداء تحت ستار بعض المظاهر السهلة من مظاهر الإسلام بينما هم في الحقيقة أعداء ينخرون في الجسم من الداخل، ولذلك اقتضت سنته أن يميز الخبيث (المنافق) من الطيب (المؤمن) ، لأن الجماعة المسلمة لا يمكن أن تؤدي دورها على الوجه المطلوب ولا أن تحقق أهدافها بالكيف المرغوب