الصفحة 100 من 1360

من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من الإخوان، المؤمنين بآيات الله، المصدّقين لرسول الله، التابعين للسواد الأعظم، من أصحاب رسول الله، والتابعين لهم بإحسان، وأهل العلم والإيمان، المتمسكين بالدين القيم عند فساد الزمان، الصابرين على الغربة والامتحان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد: فإن الله سبحانه بعث نبيكم صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل، وأهل الارض من المشرق إلى المغرب، قد خرجوا عن ملة إبراهيم، واقبلوا على الشرك بالله، إلا بقايا من أهل الكتاب، فلما دعا إلى الله، ارتاع أهل الأرض من دعوته، وعادوه كلهم، جهالهم وأهل الكتاب، عبادهم وفساقهم، ولم يتبعه على دينه إلا أبو بكر الصديق، و بلال وأهل بيته صلى الله عليه وسلم خديجة وأولادها، ومولاه زيد بن حارثة، وعلي رضي الله عنه.

قال عمرو بن عبسة: لما أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قلت: ما أنت؟ قال: "نبي" قلت وما نبي؟ "قال أرسلني الله" قلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: "بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئًا" قلت: من معك على هذا؟ قال: "حر وعبد" ومعه يومئذ أبو بكر، وبلال.

فهذا صيغة بدوّ الإسلام، وعداوة الخاص والعام له، وكونه في غاية الغربة، ثم قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ" فمن تأمل هذا وفهمه، زالت عنه شبهات شياطين الإنس، الذين يجلبون على من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيل الشيطان ورجله.

فاصبروا يا إخواني، واحمدوا الله على ما أعطاكم، من معرفة الله سبحانه، ومعرفة حقه على عباده، ومعرفة ملة أبيكم إبراهيم - في هذا الزمان -التي أكثر الناس منكر لها، واضرعوا إلى الله: أن يزيدكم إيمانًا ويقينًا وعلمًا، وأن يثبت قلوبكم على دينه، وقولوا كما قال الصالحون، الذين أثنى الله عليهم في كتابه (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران:8) .

وأعلموا: أن الله سبحانه، قد جعل للهداية والثبات أسبابًا، كما جعل للضلال والزيغ أسبابًا، فمن ذلك: أن الله سبحانه أنزل الكتاب، وأرسل الرسول، ليبين للناس ما اختلفوا فيه، كما قال تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل:64) فبإنزال الكتب، وإرسال الرسول، قطع العذر، وأقام الحجة، كما قال تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء:165) .

فلا تغفلوا عن طلب التوحيد وتعلمه، واستعمال كتاب الله، وإجالة الفكر فيه، وقد سمعتم من كتاب الله ما فيه عبرة، مثل قولهم: نحن موحدون، نعلم أن الله هو النافع الضار، وأن الأنبياء وغيرهم لا يملكون نفعًا ولا ضرًا، لكن نريد الشفاعة، وسمعتم ما بيّن الله في كتابه، في جواب هذا، وما ذكر أهل التفسير وأهل العلم، وسمعتم قول المشركين: الشرك عبادة الأصنام، وأما الصالحون فلا، وسمعتم قولهم: لا نريد إلا من الله، لكن نريد بجاههم، وسمعتم ما ذكر الله في جواب هذا كله.

وقد منّ الله عليكم بإقرار علماء المشركين بهذا كله، سمعتم اقرارهم: أن هذا الذي يفعل في الحرمين، والبصرة، والعراق، واليمن، أن هذا شرك بالله، فأقروا لكم: أن هذا الدين الذي ينصرون أهله، ويزعمون أنهم السواد الأعظم، أقروا لكم أن دينهم هو الشرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت