الصفحة 1166 من 1360

قوله تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) والركون هو الميل ومنه: الادهان - وسبق الكلام عليه - قال القرطبي رحمه الله: (( وَلاَ تَرْكَنُوا) الركون: حقيقة الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء، والرضا به قال قتادة: معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم، وقال ابن جريج: لا تميلوا إليهم، وقال أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم وكله متقارب، وقال ابن زيد: الركون هنا: الادهان؛ وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم).

وبنفس معنى الآية السابقة جاء قول الله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) فمن ركن أو أطاع الكافرين أو الظالمين فرغم أنه متوعد بالنار والعذاب في الآخرة، إلا أنه بركونه إليهم وطاعته لهم يعلنها مدوية أنه هزم شر هزيمة، وأن مبدأه الذي تمسك به زالت معالمه بعد هذا الركون والطاعة، ولو زعم بقوله بأنه ما تزحزح عن مبادئه إلا أن ركونه وطاعته للذين ظلموا أو كفروا يكذبه ويعلن أنه هزم ولا معنى للمبادئ إذا كذبها العمل، فهي لا تعدو أن تكون ادعاءات باطلة وحبرًا على ورق، فلا يستقيم أبدًا تشدق بالمبادئ وركون للظالمين والكافرين بما يريدون، فما هذه إلا هزيمة مخزية.

ومن تدبر ما سبق من معاني النصر والهزيمة، يتضح له بجلاء جهل الذين زعموا هزيمة الإمارة الإسلامية، فالمتدبر لهذه المعاني يستيقن بأن الإمارة الإسلامية وعلى رأسهم أمير المؤمنين الملا عمر حفظه الله، انتصروا على العالم كله، وتفضل الله عليهم وحققوا أكثر معاني النصر، وقد رحمهم الله وعصمهم من لحوق معاني الهزيمة بهم، نسأل الله أن يثبت المجاهدين ويمن عليهم بالنصر في الميدان إنه ولي ذلك والقادر عليه.

فينبغي على المسلم أن يتمسك بمعتقده ومبادئه ويعلن دومًا أنه الأعلى وأنه المنتصر مهما أصابه من نصب وقرح قال تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) .

والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

ذروة سنام الإسلام

" (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) إن الآية فيها أمر من الله تعالى للمؤمنين أن لا يقبلوا الدنية في دينهم، وأن عليهم أن يبذلوا أقصى طاقاتهم لمنع حصول الذل، فإن حصل ظهور للكفرة عليهم فهو دال على أنهم قصروا في تطبيق أمر الله، فهنا في الآية على الصحيح أمر إلهي ووعد إلهي كذلك؛ أما الأمر: فهو أن يكونوا مؤمنين، والإيمان هنا يعني المدافعة والقتال وطلب الظهور والعزة، وهذا راجع إلى مفهوم أهل السنة لمسمى الإيمان.

والصحيح أن قوله سبحانه وتعالى في هذه الآية (المؤمنين) هي قيامهم بواجب الإيمان, وهو واجب الدفع والمدافعة، ومثل هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه إلا أن تعودوا لدينكم) حديث حسن، فمعنى الدين هنا هو معنى الإيمان في الآية السابقة وهو الجهاد, فإن الذل لا يرفع بالصلاة، ولا بالزكاة ولا بالحج، ولا بالذكر، وكلها دين وتساعد في رفع الذل، ولكن الذل لا يرفع إلا برفع السبب الذي حصل به الذل وهو ترك الجهاد في سبيل الله تعالى. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلّوا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت