الصفحة 1232 من 1360

ولما كان الله أكمل نبيه صلى الله عليه وسلم على أكمل الأخلاق والأعمال وأشرفها؛ كان جوده بجميع أنواع الجود من بذل نفسه لله في إظهار دينه وإعلاء كلمته وإيصال النفع إليهم، ومن نشر العلم وبذل المال، وإطعام الجائع ووعظ الجاهل وقضاء الحوائج، وفكّ العاني، وهذا من نشأته صلى الله عليه وسلم كما قالت خديجة رضي الله عنها في قصة نزول الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعينُ على نوائب الحق" متفقٌ عليه.

ثم بعد بعثته تضاعفت خصال الخير عنده أضعافًا كثيرة، وتزداد هذه في رمضان، فمن هذه الأعمال التي ينبغي لكل مسلم التنافس فيها - وخاصةً المجاهدون - لأن المجاهد يجاهد بأعماله لا بقوته وكثرته، كما قال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم [1] .

فبادروا باستغلال هذا الشهر في الجود والمسابقة فيه بالأعمال الصالحة، فإن كثرة الأعمال في حال الصيام من أعظم أسباب دخول الجنة، ولأن النفوس في حال صيامها تتنافس بكثرة الأعمال، فعن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكرٍ: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكرٍ: أنا، قال: فمن أطعم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكرٍ: أنا، قال: فمن عاد منكم اليومَ مريضاًَ؟ قال أبو بكرٍ: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة" رواه مسلم.

وتكثر خاصةً في شهر رمضان، لأن فيه تُفتّحُ أبواب الجنة، وتغلقُ أبواب النار، وتُسلْسَلُ الشياطين، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.

ومن هذه الأعمال:

أولًا: الصيام، فقد أوجب الله سبحانه وتعالى عليكَ أيها المسلم صيامَ شهرِ رمضان، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه «أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله؛ أخبرني ماذا فرَضَ الله عليّ من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوّعَ شيئًا، فقال: أخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوّعَ شيئًا، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فقال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم شرائعَ الإسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوعُ شيئًا، ولا أنقصُ مما فرضَ الله عليّ شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفلح إن صدق"، أو "دخل الجنة إن صدق"» متفقٌ عليه.

وقد تواترت الأحاديث في وجوب صيام شهر رمضان، بل لقد جاء بأن في الجنة بابًا خاصًا بأهل الصيام، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة بابًا يقال له: الريّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخلُ منه أحدٌ غيرهم، يُقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أُغلِق فلم يدخل منه أحد".

والصيام كفارةٌ للذنوب، جاء في الصحيحين عن حذيفة رضي الله عنه قال: "قال عمر رضي الله عنه: من يحفظُ حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا، سمعته يقول: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة" قال البخاري رحمه الله: باب الصوم كفّارة، وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ له ما تقدّم من ذنبه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت