أوت لفراشها بعد يومٍ مُثقلٍ بالهموم, والحوارِ السَّاخنِ والجدلِ غير المهذّب مع أناسٍ ضَائِعين، اشتروا الفانيةَ بالباقيةِ ورضوا بالحياةِ الدُّنيا من الآخرة ..
تساءلت: رباه .. قد كَثُر حولي الشَّامتون .. أصواتهم تُجَلْجلُ في أُذُني: كيفَ ترضينَ بهذا زوجًا؟ ترككِ وذَهَبْ!
تخلى عنك, هو لا يحبُّكِ, ولو أحبَّك لما فعل ذلك .. كيفَ يذهبُ ويترك أبناءه؟
إنَّ هؤلاءِ النَّاس مساكين حقًا ... أما سمعوا بالجنَّة .. ؟ أما عرفوا أجرَ الشَّهيد .. ؟
هل أشرح لهم ما الذي دَفَعَ زوجي للنَّفير .. ؟ ألم يعلموا بوجوب الجهاد .. ؟
أم هل تأثروا بمشايخ الشاشات؟ وصدقوا بأن الجهاد جريمة توجب حدًا!!
أُختها تقول: مكثتُ يومين أبكي لترمُلك يا أختي, ولأنَّ أبناءك صاروا أيتامًا!! مع أن زوجي لم يُقتل بعد!! وكأنَّ الموت لا يكونُ سوى في الحروب.
يأتيها إبليسُ .. يقول: هذه صديقتكِ سعيدةٌ في بيتها, زوجها يروحُ بها ويجيء، ويسافرُ معها حيثما تريد، وتسكنُ الفيلا الفاخرة .. لماذا أنتِ لستِ مثلها؟ أنت تعيشينَ الشَّتات والخوف والتوجس، وهي وزوجها في نعيمٍ وعيشٍ رغِيد ..
لكنْ لما تتذكر قُرْبَ الموت، وأنَّ الدُّنيا حلوةٌ خضرةٌ، لكنَّها سريعةُ الزَّوال فإنها تقول: أفٍّ لك يا دُنيا ..
أنا لن أعيش سوى يومٍ أو يومين ... ثم ألاقي ربي ووالله إنِّي سأفرحُ بما أصابني من بلاءٍ وتشتتٍ فاللهمَّ لك الحمد .. اللهم لك الحمد ..
المجاهدُ غريبٌ في هذه الدنيا .. الكلُ يُعَادِيه .. وينظرُ النَّاس لزوجته بتوجسٍ وخَوفٍ، وكأنَّها زوجةُ أكبرِ مجرم ..
هي فعلًا زوجة (مجرم) ... لكن في نظرِ اليهودِ وفي نظرِ الإعلامِ الكاذب ..
أما في الكتابِ والسُنَّة فهي زوجةُ الّذي نَفَرَ يوم قَعَدَ النَّاس و (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ) .
وزوجةُ المهاجرِ الّذي رَكَلَ الدنيا بعدما أتته وهي راغمة:
ومهاجر في الله ودع أهله ... لم يلتفت يوم الفراق وراءًا
وزوجة الشهيد الذي يلبس تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ..
فاللهمّ لك الحمدُ على نعمائك، ولك الحمدُ على قضائِك، ولا تحرمنا جُودك، وصبِّرنا على لأواء الدُّنيا، وأكرمنا بنعيم الآخرة .. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) .
أختكم: أم دعد [1]
[1] هذه الزاوية تكتبها نساء المجاهدين.