الصفحة 256 من 1360

أخي المجاهد:

يفرح المؤمن كثيرًا بما قد يجريه الله على يديه من كرامات تحدث له وتحفزه وتذكره بعظيم فضل الله عليه مع أنه ما كلُّ كرامة هي كرامة في الحقيقة إذ قد تكون فتنة للعبد واستدراجًا له وغير ذلك، ولكن تبقى كرامة الكرامات التي لا يتطرق إليها احتمال غير الكرامة التي امتن بها ربُّنا عزّ وجل على خير خلقه وأحبهم إليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إنها كرامة "لزوم الاستقامة" وعدم تأثره بتضليل وتلبيس المضلين حيث يقول الله تعالى: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) وفي السورة التي تليها يقول عزوجل محذرًا نبيه من هؤلاء المضلين سعاة الفتنة: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) ورغم أن المؤمن في كل الأزمان يدرك عظيم هذه الفضيلة إلا أن مؤمن زمان الغربة أشد استيعابًا وإدراكًا لعظيم هذه الكرامة الربانية، لاسيما حينما يرى كثرة المتساقطين حوله دون بلوغ المراد ولا حول ولا قوة إلا بالله فيزداد المؤمن بهذه المواقف إيمانًا واعتبارًا، ولجوءًا إلى الله وافتقارًا، وازدراءًا لنفسه واحتقارًا، تمامًا كما كان الصحابة رضي الله عنه يفعلون فترى مثلًا الإمام الراشد الفقيه المسدد المبشر بالجنة والنجاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثير النوح على نفسه والخوف عليها من موارد النفاق فيقول لحذيفة رضي الله عنه نشدتك الله هل عدني رسول الله من المنافقين؟ وقال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخشى النفاق على نفسه) فلذلك كانوا رضي الله عنه أحسن الناس عملًا وأكثرهم خوفًا وأشدهم محاسبة لأنفسهم لما استقر في أنفسهم من تعظيم الله ومعرفة استحقاقه من العبادة والخضوع أضعاف أضعاف ما يفعله العباد، ولهذا الحس الربَّاني في قلوبهم رضي الله عنه جعل الرسول صلى الله عليه وسلم منهجهم هو المعيار الذي لا يعتبر غيره ففي الحديث: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) أو فيما معناه ولذلك من كان مستنًا فليستن بهم رضي الله عنه لاسيما إذا اشتدت غربة الدين وقلّ المساعد والمعين.

غربة الدين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت