فقه الجهاد مقاصِدُ الجِهاد: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب (2/ 2)
يكتبها الشيخ / عبد الله بن ناصر الرشيد حفظه الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد سبق في العدد الماضي الحديثُ عن معنى حديث"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، وفي هذا العدد سنعرض للجواب عن بعض الشُّبَهِ المُوردةِ على الاستدلالِ بالحديثِ، والرد على من خالف في دلالته.
فأول الشبه وأشهرها وأقدمها، قول من قال إنَّ جزيرة العَرب هي الحِجازُ، وقد سبق في العَدد الماضي إثباتُ أنَّ جزيرة العرب أوسعُ من ذلك، وإنَّما جنح من جنح إلى تأويل الحديث بهذا المعنى لمَّا رأى أنَّ من المشركين من بقي خارج الحجازِ ولم يُخرج، وقد يُستأنس له بما رُوي بسند ضعيفٍ عن أبي عبيدة عامر بن الجراح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: أخرجوا يهود أهل الحجاز من جزيرة العرب، ولكن الحديث ضعيف الإسناد والأحاديث الصحاح على خلافه، ولو سلم بصحته فذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يستلزم التخصيص، بل يحتملُ إفراده لأهميته وشرفه، على أنَّ الحديثَ أصلح في الدلالة على نقيض ما استدل به المستدل، فقد فرق بين الحجاز وجزيرة العرب، ولم يقل أخرجوا يهود أهل الحجاز من الحجاز، بل قال من جزيرة العرب، ثم إنه قد جاء في الحديث بالإسناد نفسه: أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، وأهل نجران خارج الحجاز.
وأما من بقي في الجزيرة في غير الحجاز، فالقول فيهم كالقول فيمن بقي في الحجازِ:
إذا كان وجودهم قبل الأمر بإخراجهم، وكان الشارع قد أقرّهم من قبل؛ فإخراجهم من جنس جهاد الطلب.
وإذا كان وجودهم بعد الأمر بإخراجهم، ودخلوا مخالفين أمر الله ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإخراجهم من جنس جهاد الدفع.
ولا يُشغَّب على هذا بأنّ فعل الصحابة كان إخراجَهم بغير الجهاد؛ فإن المراد إيضاح التفريق بين أحكام الابتداء وأحكام الاستدامة، ثمَّ إنَّ العلة الموجبة للجهاد موجودة وقت الصحابة وهي إخراج عدو يجب إخراجه من بلاد المسلمين، ولم يُقاتلوا لأنَّ الجهاد طلبًا ودفعًا قد يسقط ويكفي الله المؤمنين القتال إذا رجع العدو عما قُوتل لأجله، فيسقط تعين جهاد الدفع إذا رجع الصائل عن صياله، ويسقط وجوب الطلب إذا أسلم الكافر أو بذل الجزية على تفاصيل في الفروع ليس هذا محلَّها.
فإذا تقرر أنَّ إبقاء الصحابة لمن أُبقي من المشركين كان من جنس جهاد الطلب، فإنَّ جهاد الطلب لا يجب على الفور كما يجب جهاد الدفع، بل يجوز تأخيره لمصلحة أو خوفِ مفسدةٍ يُرجى أن تزول قريبًا، كما يجوز تأخيره لانشغال عسكر المسلمين بفتوحٍ، أو لانشغال إمام المسلمين بأمرٍ نزل به، أو نازلةٍ حلَّت بالمسلمين دون تعطيلٍ له، ويجوز تأخيره لمصلحةٍ للمسلمين في بقاء ذلك العدوِّ سواء كان بهدنةٍ أو بغيرِها مع التزام قتاله وعدم استدامةِ الهدنةِ.
وأبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه كان فترةَ خلافتِهِ مشغولًا بقتال المرتدِّين والروم، ولم يلبث بعد استقرار الأمر حتى قبضه الله، أما عمر فلما جاءه الثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب أجلى اليهود من خيبرَ في القصة المعروفة.
فلا يحتج أحد بترك الصديق لليهود في خيبر، ولا بترك الفاروق لهم أو لغيرهم في غيرها، إلا حيثُ كانت الحال واحدة بأن كانوا مستوطني الأرض يسكنون الديار من أول الأمر، بخلاف من وَرَد عليها بعد النهي، وكان دخولُهُ انتهاكًا لأرض الجزيرة واعتداءً عليها.